لاحقة أمير داغ
— 268 —
الوسيلة الأولى: رسائل النور، إذ إنها تُعزِّزُ الأخوة الإسلامية بقوة الإيمان، بدلالة تأليفها تحت وطأة ظلمٍ شديدٍ وحالةِ عجزٍ تفوق الوصف، وما أحدَثَتْه اليومَ من تأثيرٍ بالغٍ في أماكنَ كثيرة من أنحاء العالم الإسلامي وفي أوروبا وأمريكا، وما ألحقَتْه من هزيمةٍ بالفوضويِّين وبفلسفة الإلحاد، وانتصارٍ رهيبٍ على أفكار الماديِّين والطبائعيِّين والمُلحِدين منذ ثلاثين عامًا، وعدم تمكُّنِ أيِّ محكمةٍ أو أيٍّ من لجان الخُبَراء من جَرحِها بشيء.
وسيأتي اليومُ الذي يتولَّى فيه أمثالكم ممَّن اهتَدَوا إلى معرفة مفاتيحِ الأخوّة الإسلامية، عَرْضَ جَلَوات هذه المعجزة القرآنية لأقطار العالم الإسلاميِّ أجمعَ بإذن الله تعالى.
الوسيلة الثانية: قبل خمسة وستين عامًا كانت لديَّ رغبةٌ بالسفر إلى الجامع الأزهر المبارك بهدف التعلُّم فيه، وذلك باعتباره مدرسةَ العالم الإسلاميّ، إلا أن الأمرَ لم يُقدَّر لي؛ فألهمني الحقُّ سبحانه بعميم رحمته فكرةً مُفادُها: بما أن الجامع الأزهر يُمثِّل مدرسةً عامة في أفريقيا، وبما أنَّ مساحة آسيا تفوق مساحة أفريقيا، فثمّة حاجةٌ ماسّة لإنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ كبرى فيها ودارٍ للعلوم كبيرةٍ على غراره، تحمل معانِيَ "المدرسة الزهراء".
ومنذ خمسةٍ وخمسين عامًا وأنا أسعى جاهدًا یی بمثل سعيي لنشر حقائق رسائل النور یی من أجل تأسيس هذه الجامعة في مركز الولايات الشرقية، لتكون وَسَطَ البلاد العربية، وفي عموم بلاد الهند وإيران والقفقاس وبلاد الترك، وتجمع في الوقت ذاته بين المدارس الحديثة والمعاهد الشرعية، ولأجل التصدِّي لما يبُثُّه الفكر العنصري من إفسادٍ بين الأقوام الإسلامية في البلاد العربية والهند وإيران والقفقاس، وبلاد الترك وكُردستان.
ولأجل اعتمادِها وسيلةً لإحياء الحميّة الإسلامية التي هي القومية الحقيقية الإيجابية السامية الشاملة، ومظهرًا لتجلِّي أحد دساتير الإسلام الأساسية، المُتمثِّل بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
— 269 —
وحتى تتصالح علوم الفلسفة مع العلوم الدينية، وتتصالح الحضارةُ الأوروبّية مع حقائق الإسلام مصالحةً تامّةً؛ وليتَّفِق أربابُ المدارس الحديثة وأربابُ المدارس الشرعية في الأناضول مع بعضهم، ويتعاونوا فيما بينهم.
وإنَّ أوَّل من أدرك أهمِّيةَ هذه الجامعة هو "السلطان رشاد رحمه الله"، فخصَّص لبنائها مبلغَ عشرين ألفَ ليرةٍ ذهبية؛ وبعد خَلاصي من الأسر في الحرب العالمية الأولى قُمت بزيارة أنقرة بهذا الغرض، فوافق آنئذٍ (١٦٣) نائبًا من أصل (٢٠٠) من نُوّاب البرلمان، ووقعوا على تخصيص مبلغ (١٥٠) ألف ليرة ورقية یی ذات القيمة الثمينة يومَذاك یی لإقامة تلك الجامعة، وكان "مصطفى كمال" بينهم.
وإن تخصيصَهم لمبلغٍ يُعادل اليومَ قيمة "خمسة ملايين ليرة" يُظهر أنهم أَوْلَوا أمرَ هذه الجامعة أهمِّية أكبر من أيِّ شيء آخر؛ بل لقد وقَّع على هذا القرار بعضُ النوّاب المتهاوِنين بأمر الدِّين، والمُناصرين للتغريب، والراغبين بالتجرُّد عن الأعراف الإسلامية، في حين اعترض اثنان منهم فقط متذرِّعَين بدعوى: "أننا بحاجة اليومَ إلى الحضارة الغربية أكثرَ من حاجتنا إلى العلوم الدينية والعلوم التقليدية".
فأجبتُهم بما يلي: لِنفترضْ مُحالًا عدمَ الحاجة إليها بوجهٍ، غيرَ أن ما يَحملُ آسيا على الرُّقيِّ الحقيقيِّ أكثرَ من تأثير العلم الحديث والفلسفة إنما هو الحِسُّ الديني، بدلالة بِعثةِ أكثرِ الأنبياء في آسيا والشرق، وظهور أكثرِ الحكماء والفلاسفة في الغرب.
ولو أنكم باسم التغريب هجرتُم الأعرافَ الإسلامية، وتخلَّيتُم عن هذا القانون الفطري ولم تُبالوا به، وأسَّستُم نظامًا لا دينيًا، فستجدون أنفسكم مُلزَمين بنُصرة الدِّين وحقائقِ الإسلام لدرجة الوجوبِ، وذلك حرصًا على سلامة الشعب والوطن، وإرساءً للسلام في الولايات الشرقية الواقعة في منطقةٍ محوريّةٍ بين أربعة أو خمسة دُوَلٍ كبرى.. وسأذكر لكم واحدًا من آلاف الأمثلة على ذلك:
حين كنت في "وان"، سألتُ أحد طلّابي الأكراد من ذوي الحَمِيّة والغَيرة: لقد قدَّم الأتراكُ للإسلام خِدماتٍ جليلةً، فكيف تنظُر إليهم؟ فأجاب: بما أنهم يخدمون الإيمان خدمةً تامّة، فإن تركيًّا مسلمًا أفضلُ عندي من شقيقٍ فاسق، وأقرب إليَّ من أبي.
— 270 —
ومضت الأيام، فانتسب هذا الطالب رحمه الله إلى إحدى المدارس الحديثة في إسطنبول ودرس فيها، فالتقيتُه بعد عودتي من الأَسْر، فألفيتُه قد انحرف عن مسلكه، وسقط في شِباك العِرقية الكردية، نتيجةَ التأثير العكسي الذي تلقّاه من بعض معلِّميه العنصريِّين، وقال: إنني اليوم أُفضِّل كرديًّا فاسقًا یی بل مُلحِدًا یی على تُركيٍّ صالح. فبذلتُ له عِدّة لقاءات حتى أقنعتُه بالعدول عن قناعته ذاك، وأيقَن أن الأتراك هم جنود الأُمّة الإسلامية البواسل.
أيُّها النوّاب الموجِّهون لهذا السُّؤال: إن في الشرق ما يقرُب من خمسة ملايين كُرديّ، وقرابة مئة مليونِ إيرانِيٍّ وهنديّ، وسبعين مليونَ عربيّ، وأربعين مليونَ قَفْقاسيّ.. فما الذي تحتاجُه تلكم الشعوب المُتجاوِرة، وهؤلاء الإخوة المُحتاجُ بعضُهم بعضًا؟ هل يلزمهم الدرس الذي تلقّاه ذلك الطالب في مدرسة "وان" الدينية؟! أم الدرس الثاني المُتمثِّل باستبعاد العلوم الإسلامية، والاقتصار على دراسة العلوم الفلسفية التي تُفسِدُ ذاتَ بينِ تلك الشعوب، وتَحصُر التفكيرَ بأبناء الجلدة فقط من بين جميع القوميّات، ولا تعترف بالأخوّة الإسلامية؟! أسألكم: أيُّهما أفضل؟
وعقب هذا الجواب وقَّع على القرار حاملو فكرة التغريب المُعادُون للأعراف والتقاليد.. ولا حاجة اليومَ للإفصاح عن أسمائهم، فلقد غيَّبهم الموتُ.. عفا الله عن تقصيرهم.
رابعًا: لقد جعل رئيس الجمهورية یی وهو بدوره شيخ قديم یی قضيةَ "جامعةِ الشرق" أهمَّ أولوياته من بين القضايا السياسية الكثيرة والمُهِمّة، بل بلغت من قمّة اهتمامه أن أصدر قرارًا بتخصيص (٦٠) مليون ليرة لتشييدها، فأسدى بذلك خدمةً جليلة، ونال بها شرفًا عظيمًا؛ وحظي بامتنانِ جميع مشايخ الشرق ورضاهم؛ وستغدو هذه الجامعة الإسلامية بإذن المولى عزَّ وجلَّ مَبعَثَ افتخارِ المدارس الدينية.
وبإدراجه لها ضمنَ أولويّات مهامِّه السياسية، يكون قد وضع حجرَ أساسِ السِّلْم العامِّ في الشرق الأوسط، وتشييد أولى قلاعِه الحصينة، وسيعود ذلك بفوائد جمّةٍ لصالح هذا الوطن والشعب وهذه الحكومة.
— 271 —
ولأنَّ التخريبات الخارجية الرهيبة المتمثِّلة في الإلحاد عبارة عن قوّةٌ معنوية، فيتطلَّب صَدُّها كذلك قوّةً معنويّةً تمتلكُ تأثيرَ قنبلةٍ ذَرِّيةٍ وتكتسب قُوَّتَها، وذلك بإقرارِ العلوم الدينية أساسَ علوم تلك الجامعة.
وما دمتُم تجدون أنفسكم مضطرِّين لاستشارة أمريكا وأوروبا حول هذه القضية، فإنَّ لي الحقَّ أيضًا أن أُشارك وأُبدِيَ رأيي بشأنها، فلقد أمضيتُ خمسًا وخمسين سنةً من حياتي أسعى في سبيل تحقيقها، ودقَّقتُ بجميع تفاصيلها ونتائجها.. إنني آمُل ذلك منكم باسم جميع ذوي الحَمِيَّة من أفراد الشعب.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭