— 266 —
السيد رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء
شيخٌ هَرِم، مسكين مُستَضعَف، جاوز الثمانين من عُمُره، ومبتلًى بأمراض عديدة، وعلى شفير القبر يستقبل أجلَه.. يودُّ أن يُبيِّن لكم حقيقتَينِ:
الأولى: بمِلْءِ قلوبنا وأرواحنا نبارك لكم هذا التعاونَ الوثيق والاتِّفاقَ الناجح مع كلٍّ من الباكستان والعراق، فلقد بعثتُم الفرحَ والسُّرور في نفوس هذا الشعب؛ وسيغدو اتِّفاقُكم هذا بكلِّ يقين مقدِّمةً لإقرار الأمان والسلام لدى أربع مئة مليون مسلم، ولتوفير السلام العامِّ للبشرية قاطبةً إن شاء الله.. هذا ما استشعرتُه في روحي، ورأيتُ لِزامًا عليَّ أن أكتب إليكم بناءً على إخطارٍ قويٍّ وَرَد عليَّ أثناءَ تسبيحاتِ الصلاة.
وقد دفعني لبيان هذا الإخطار القلبيِّ ذي الصِّلة الوثيقة بالسياسة رغمَ أني هَجَرتُها منذ ثلاثين أو أربعين عامًا، ما أحدَثَتْه رسائلُ النور من تأثير في البلدان العربية والباكستان أكثرَ من أيِّ بلادٍ أخرى، وما تلَقَّته فيها من حُسن القبول، وهي التي سلَّطَتِ الضوءَ منذ خمسين عامًا على أوجز السُّبل لإنقاذ الإيمان، وعلى المعجزة المعنوية للقرآن الكريم في هذا العصر، حتى وَرَدَنا خبَیرٌ مُفاده أن طلاب النور في تلك الأماكن يفوقُ عددُهم ثلاثة أضعاف العدد الذي أقرَّ به المحاكمُ هنا.. فلأجل هذا السِّرِّ اضطُرِرتُ روحيًّا في آخر عمري وأنا على عتبة القبر لبيان هذه النتيجة العظيمة ومشاهدتِها.
الثانية: لقد ولَّد الفكرُ العنصريُّ خطرًا عظيمًا في عهد الأمويِّين، ونجمتْ عنه أضرارٌ جسيمة برزت في بداية عهد "الحرية" على صورة "الأندية والجمعيّات"، مثلَما استُغِلَّت العنصريةُ في الحرب العالمية الأولى فألحقَت آنئذٍ الضررَ بالأتراك المجاهدين من قِبل إخوانهم العرب المباركين.. ومن غير المُستبعَد استخدامُها مجدَّدًا ضدَّ الأخوّة الإسلامية، فثمّة أماراتٌ تشير إلى أن المُلحِدين المُستَتِرين أعداءَ السَّلام العامِّ يَعمَلون من جديد على تكريس العنصرية بُغيةَ إحداث أضرار جسيمة.
— 267 —
وإن من السِّمات الفِطرية للعنصرية تغذيةَ العمل السلبي الهدّام وإلحاقَ الأذى بالآخرين، ناهيك عن أن الشَّعب التركي في شتَّى أرجاء العالم يَدِينُ دينَ الإسلام، وقد امتزجت قوميَّتُه بالإسلام حتى أضحى التفريقُ بينهما غيرَ مُمكن، فالتركي يعني المسلم، وغير المسلم منهم لا يكون تُركيًّا.
وكذا حالُ العرب، فإنهم یی كما الأتراك یی امتزجت عروبتهم وقوميَّتُهم بالإسلام، وهو اللازمُ والواجبُ في حقِّهم، إذ هو قوميَّتهم الحقيقية وحَسْبُهم بها.. أَلَا إن شعار العنصرية ودعوى القومية خطرٌ عظيم.
وإنني على قناعةٍ رُوحيّةٍ قطعيةٍ أن اتفاقكم القيِّم هذا مع العراق والباكستان سيَصُدُّ أضرارَ العنصرية الخطيرة إن شاء الله، وسيشكِّلُ عاملًا مهمًّا في اكتسابِ أبناء هذا الوطن أخوّةَ أربع مئةِ مليون مسلم، بدلًا من أربعةِ أو خمسة ملايينَ من العنصريِّين، وكذا نَيلهم صداقةَ ثمان مئة مليون مسيحيٍّ وغيرهم من ذوي الدِّيانات الأخرى التوّاقين بشدّةٍ إلى الصُّلح والسِّلم العامِّ.
الثالثة: قبل خمسة وستين عامًا أطلَعَني أحدُ الوُلاة على خبرٍ نُشر في بعض الصُّحف، مُفادُه: أن وزيرَ المُستعمَرات المُلحِدَ ألقى خطابًا وبيده نسخةٌ من القرآن، فقال: "ما دام هذا القرآن بأيدي المسلمين، فلن نتمكَّن من إحكام السيطرة عليهم، وإبقائهم تحت سُلطتنا؛ فإمّا أن ننتزعه من بين أيديهم، وإما أن نَصرِفَهم عنه".
وحمَلَتْ هذين الفكرين منظمةُ إفسادٍ خبيثةٌ، عَمِلَت من خلالهما على إلحاق الضرر بهذا الشعب المسكين المُضحِّي البريء صاحب الحَمِيّة والغَيرة؛ فمنذ ذلك الحين یی أي: ما يُقارب خمسة وستين عامًا یی طلبتُ المَددَ من القرآن الحكيم، وعزمتُ على التصدِّي لهذا التيّار ومجابهتِه.
ولمعرفة أوجزِ السُّبُل لبلوغ الحقيقة، ووضعِ تصوُّرٍ لإنشاء جامعة إسلامية كبيرة، ولأجل تخليص حياتنا الدنيوية من الاستبداد المطلق ومهالك الضلالة یی وهي كذلك إحدى ثمار تلك الجامعة یی وتعزيز علاقات الأخوّة بين الشعوب الإسلامية، وإنقاذ آخرتنا.. لتحقيق ذلك كلِّه وقفنا على وسيلتين: