لاحقة أمير داغ
— 264 —
باسمه سبحانه
أسوقُ هنا حاشيةً صغيرةً لی"الشكوى إلى المحكمة الكبرى" المُدرَجة في كتاب "السيرة"، والمقدَّمة ككلمةٍ أخيرةٍ لي في واحدةٍ من أهمِّ المحاكم، والمرسلةِ إلى الجهات الرسمية في "أنقرة"، وإلى محكمة التمييز، وإلى رؤساء المحاكم يوم كنتُ في المحكمة؛ فلقد حدث معي مجدَّدًا أمرٌ صغيرٌ عجيبٌ غريبٌ، ومشابهٌ لتلك الحادثة:
قبل يومين سافرتُ إلى مدينة "قونية" لِما يحدوني إليها من شوقٍ كبير، فلقد كانت في الماضي بمثابة "مدرسة الأناضول العلمية"، ولأجل تحصيل ثلاثة أهداف:
الأول: تخفيف بعض نفقات السفر عن اثنين من إخواني النوريِّين اللَّذَين حضرا لزيارتي لدى عودتهما من محكمة "إزمير"، وتكبَّدا بذلك مصاريف كبيرة رغم فقر حالهما، فقُمتُ باصطحابهما بعربتي الخاصة إلى "قونية".
الثاني: الرغبة في زيارة أخي وأولاده ولقائهم فقد ظلَّ يَدرس عندي خمسة عشر عامًا، وتولَّى وظيفةَ الإفتاء منذ قرابة عشرين عامًا، وهو الوحيد المتبقِّي على قيد الحياة من بين إخواني وأقربائي، ولم أره منذ أربعين سنةً سوى مرة واحدة.
الثالث: زيارة أحد أساتذتي المُهِمِّين أهمِّيةَ الإمام الربّاني والإمام الغزالي، ألا وهو مولانا "جلال الدين الرومي" الذي تربطني به صِلةٌ وطيدة، فهو أحد أساتذة "سعيدٍ القديم" و"سعيدٍ الجديد"، ولدى مُريدِيه علاقة حميمة مع رسائل النور في كلِّ مكان.
— 265 —
ولكن مثلَما وَرَد بيانُه في مقالة: "رسالةٌ بخصوص الزوّار: لا يمكنني لقاءُ الناس" المُدرَجة ضمنَ كتاب "السيرة"، مِن أن الحقَّ سبحانه جعل مرضي مانعًا من قبول هدايا الآخرين، كذلك منعني یی بعنايةٍ منه سبحانه یی من لقاء الناس والتحدُّث إليهم، بما يُعَدُّ هديةً معنويةً أيضًا، وذلك بأن بُحَّ صوتي، فلم أتمكَّن حتى من زيارة بيت أخي لعدم قدرتي على الكلام.. فبينما كان يلزمُني الإقامةُ في "قونية" يومين أو ثلاثةً على الأقل، إذا بي أُضطَرُّ خلال ساعةٍ واحدةٍ لأداء الصلاة والعودة فورًا.
غيرَ أن القوم هنالك أضفَوا على شخصي صورةً مُشرِقة بما بذلوه تجاهي من تضخيمٍ بالغ، لدرجة أنَّ جميع الصُّحُف واكَبَت الحَدَث؛ فرغم أنني لم أتمكَّن من زيارة منزل أخي الذي لم ألتقِ به منذ أربعين عامًا سوى مرّةٍ واحدة أو التحدُّث إليه، إلا أني بما لَقِيتُ هناك من سُوءِ المعاملة، كأنني التقيتُ بآلاف الأشخاص.
صحيح أن المعاملة التي قام بها عناصرُ الشرطة بناءً على أوامر تلقَّوها كانت هفوةً شنيعة، إلا أنها كانت موافِقةً لحالتي الصِحِّية ومرضي الشديد، لذا ما أستأتُ منهم ولا سخطتُ عليهم، بل على العكس من ذلك: سامحتُهم وشكرتُهم وترضَّيتُ عنهم.
ولأنني بحاجةٍ شديدةٍ لاستنشاقِ الهواء النقيّ وتغيير الأجواء، فأنا مُضطرٌّ للسِّياحة صيفًا في الجبال، وشتاءً في منازلَ استأجرتُها في أماكن متفرِّقة؛ فلا أُطيقُ الإقامةَ في مكانٍ واحد إذ يشتدُّ عليَّ المرضُ، فعزمتُ أن أذهب بين حينٍ وآخر إلى أماكن كی"قونية" مثلًا، لكن شعرتُ نتيجةَ الموقف الذي حصل فيها أن ذلك التصرُّف الذي لا معنى له صار سببًا لمَنعي من التنزُّه واستنشاق الهواء العليل، وحتى من زيارة منزلين لي في "أميرداغ" وآخرَ في "أسكي شَهِر" كنتُ استأجرتُهما بنفسي.
هذا، إضافةً إلى أنني لا يمكنُني لِقاءُ أحدٍ قطعًا، وثمّة تصرفاتٌ كثيرةٌ تُمارَس ضدِّي خلافَ القانون وفوق المُعتاد.. لذا فإنَّ عباراتي هذه التي توضِّحُ وضعي المذكور، تصلُح لنشرِها كذيلٍ لما كُتب سابقًا من: "الشكوى إلى المحكمة الكبرى".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭