لاحقة أمير داغ
— 259 —
باسمه سبحانه
ذيلٌ للوصيّة
ذكر "أشرف أديب" في الصحيفة الثلاثين من "كتاب السيرة" الذي نشره: أن من بين الخصال السِّتِّ التي كان يتحلَّى بها سعيدٌ: "الخصلة السادسة: أنه أمضى حياته كلَّها لا يَقبلُ من أحدٍ هديةً دون مُقابِل، وأنه بدافعٍ من القناعة والاقتصاد كان يدفع نفقاتِ طلابه بنفسه قبلَ ستِّين أو سبعين عامًا رغمَ فقره وشدّة حاجته".. وها قد آن الأوان لنكشِفَ حقيقةَ هذا الأمر في خاتمة هذه الوصيَّة، فقد ظهر سِرُّه، وتَوضَّح مثالُه منذ بضعة أعوام.
أجل، فللَّه الحمد حمدًا لا أَمَد لمُنتهاه أنه مع الفقر الشديد والاستغناء، ومع الرَّفض التامِّ لقبول الهدايا، إلا أنَّ الثروة المباركة التي تحقَّقت بانتشار نُسَخ رسائل النور المطبوعة بالآلة الكاتبة المُرخَّص بها قانونيًّا قد وفَت مكاسبُها یی ببركة عجيبة یی بحاجات ونفقات طلاب النور المُضحِّين المقيمين في أربعٍ أو خمسٍ من ولايات "المدرسة الزهراء" المعنوية، والذين وَقَفوا حياتهم لرسائل النور، ولا يجدون الوقت الكافيَ للسَّعي من أجل أسبابِ عيشهم.
لذا فإنني أُوصي إخواني المُخلِصين المضحِّين بالتزام هذه القاعدة بعد وفاتي أيضًا، وبالثبات والاستمرار بتطبيق هذا الدستور الذي اتَّبعتُه منذ ستِّين أو سبعين عامًا؛ وإن تحقَّقت الحُرِّية التامة في طباعة رسائل النور بإذن الله، فإن تلك القاعدة سوف تتَّسعُ رقعتُها أكثر.
وممّا يثير العَجَب أن سعيدًا القديم وافق في الماضي على قبضِ مخصَّصاتِ خمسةِ طلابٍ من دائرة الأوقاف في مدينة "وان"، فكان هذا المال القليل يَفي بحاجة طلابه الذين ربما ازداد عددُهم في بعض الأحيانِ ليصلَ إلى العشرين أو الثلاثين أو حتى الستِّين؛ وببركة القناعة والاقتصاد، وبثمنِ خمسٍ أو ستٍّ من بنادق "الماوزر"
— 260 —
التي كان يقتنيها، كان "سعيدٌ" يُغطِّي نفقاتِ طلابه بنفسه دون أن يُخِلَّ بقاعدة الاستغناء تلك، وبالرغم من وجود داعمين كُثْرٍ في ذلك الحين، كی"طاهر باشا" الشهير.
لقد ظهرت الإشارات الغيبية لهذا الدستور الحياتيّ ذي الستِّين أو السبعين عامًا، وأحسنت العناية الإلٰهية بثمرةِ هذه القناعة والاستغناء بعد سبعين عامًا، فرغمَ المُحاكمات والمُلاحقات والمُصادرات وعدم السماح باستخدام الأحرف العربية، أهدَت رسائلُ النور بنفسها ولأعوامٍ عدّةٍ ما غطَّى حاجات ونفقاتِ الطلاب المُضحِّين لی"المدرسة الزهراء" المعنوية في أربع أو خمسِ ولايات.
ورغم إِرسالِ قسمٍ مُهِمٍّ من تلك النسخ كهدايا دون مقابلٍ إلى الجوار وأنحاء البلاد وإلى العالم الإسلامي وإلى أوروبّا، ورغم إنفاقِ "سعيدٍ" ما لديه من نفقةٍ في سبيل تكثير الأنوار، إلا أن نُسَخ النور قد سَدَّت بوجهٍ عجيب جميعَ حاجاته وحاجاتِ مَن حولَه من المُضحِّين المُخلِصين؛ فأيقنتُ أن هذا الأمر ما هو إلا أحدُ الثَّمرات اللطيفة والحِكَمِ المُنيفة للإشارات الغيبية السابقة، ولهذا فإنَّني أُؤكِّد في ختام وصيَّتي على التالي:
أن تُطبَّق وصيَّتي هذه على المخصَّصات المتبقِّية بعد وفاتي أيضًا، كيلا يتبجَّح بعضُ عديمي الإنصاف بالقول: "إن سعيدًا هذا يعيش بخمسة أو عشَرة قروش في اليوم، وما كان يأخذ مالًا من أحد، إلا أنَّه خلَّف ميراثًا يُعدُّ اليومَ بمئات اللَّيرات! فمن أين له هذا؟!"، فلأجل ذلك كان من المناسب إظهارُ هذه الحقيقة.
أوصي بالمحافظة على دستوري هذا تحت نَظَارةِ أبنائي المعنويِّين المضحِّين القائمين على خدمتي من أمثال: "زبير" و"جَيلان" و"صونغُر" و"بَيرم" و"حسني" و"عبد الله" و"مصطفى"، وبإشراف أبطال النور المُخلصين أمثال: "خسرو" و"نظيف" و"طاهري" و"مصطفى گول".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭