— 253 —
باسمه سبحانه
حول منحِ الإيمان لحياتي الدنيويةِ لذّةَ الجنة
لم أشاهد أُمِّي الرَّؤوفة منذ التاسعة من عمري، ولذلك لم أصحبها ولم أُجالسها، وعشتُ محرومًا من محبَّتها الشَّفيقة؛ ولم أتمكَّن كذلك من لقاء أخَوَاتي الثلاث بعد الخامسة عشرةَ من عمري، إذ رحلنَ مثلَ أُمِّي إلى عالم البرزخ یی رحمهنَّ الله یی، فحُرِمت أجواءَ المجالس الأخوية المُمتِعة في الدنيا، وما يكتنفُها من مشاعر الرحمة والاحترام والشفقة؛ وأمّا إخوتي الثلاثة فلم ألتقِ باثنين منهم منذ خمسين عامًا یی رحمهم الله یی، فحُرمتُ صحبةَ شقيقَينِ تقيَّينِ عالمَين قيِّمَين، وفقدتُ الأُنسَ والوُدَّ والسرور الذي يعيشه المرء لدى مجالسة إخوتِه.
إلا أنَّ في الدنيا بذرةَ جَنّةٍ تكمُن في الإيمان كما أُثبِت في رسائل النور، فأُخطِر اليومَ إلى روحي بيقينٍ ذُرَيرةٌ صغيرةٌ من بذرة الجنة تلك حينما خرجتُ في جولة مع أربعة من أولادي المعنويِّين المُضحِّين القائمين على رعايتي.
وبما أنني قضيتُ حياتي عَزَبًا وليس لديَّ أولاد، فقد عِشتُ محرومًا من أذواق الشفقة والمحبَّة البريئة تجاهَهم، ومن ابتهاجهم وامتنانهم؛ ومع كل هذا ما كنتُ أُحسُّ بهذا النقص قطُّ، وقد أنعم الله تعالى عليَّ في هذا اليوم بمعنًى في غاية الذَّوق واللَّذة، فضمَّد جراحاتي الأربعة المذكورة من جهاتٍ ثلاث:
أوَّلُها: تعويضًا عن اللَّذة النابعة من الشفقة الرحيمة الخاصة لوالدتي المرحومة، أحسنَت إليَّ الرحمة الإلٰهية بلذّةٍ كلِّيّةٍ عامةٍ مصدرُها استفادةُ آلاف الأُمَّهات والنساء العجائز، وتمتُّعُهن بأذواقٍ روحيةٍ عاليةٍ من رسائل النور، وذلك بسِرِّ الحديث الشريف: «عليكم بدِين العجائز» المُوضَّح في رسائل النور.
وعوضًا عن السرور والشفقة والعطف الأخَويّ الناشئ من مجالسة أخَواتي الثلاث یی رحمهنَّ الله یی، أحسنَت إليَّ الرحمة الإلٰهية بالألوف من السيِّدات الشابّات، فقدَّمن
— 254 —
لي بأدعيتهنَّ وصِلَتهنَّ برسائل النور أُلوفًا من الفوائد والثمرات المعنوية والمَسرّات الروحية، وثمّةَ أماراتٌ ودلائلُ عديدةٌ على صدق هذا القسم الثاني، يعلمُها إخواني.
وعوضًا عن حرماني من العون المادِّي والمعنويِّ الذي كان شقيقي يُمدُّني به في الدنيا، ومن محبَّة وشفقةِ أخَويَّ المرحومَينِ، أحسنت إليَّ بمئات الآلاف من الإخوة الحقيقيِّين المُضحِّين في خدمة رسائل النور، يُبادرُونني بخالص العطف، ويمدُّون لي يدَ العون، بل يبذُلُون لأجل إعانتي في خدمة النور رأسَ مال حياتهم الأُخروية، فضلًا عن حياتهم الدنيوية.
وبدلًا عن فِقداني مزيّةَ الشَّفقة وذائقةَ العطف والحنان على الأطفال في الدنيا إذ ليس لي أولاد، مُنِحتُ الشفقةَ على مئات الألوف من الأولاد الأبرياء، من حيث تلقِّيهم وانتفاعهم برسائل النور مستقبلًا؛ فحُوِّلت هذه العواطفُ الثلاث والشفقةُ الخاصّة والجزئية على اثنين أو ثلاثة، إلى شفقةٍ كلِّيةٍ تَسَعُ مئاتِ الآلاف.
ويعلم القائمون على خدمتي كم من الأطفال الأبرياء على الطرقات في "بولفادين" و"أميرداغ" يُظهرون لي من الشفقة والاحترام والتعلُّق أكثرَ ممّا يُظهرونه لآبائهم وأمَّهاتهم، فيتحوَّل هذا الذَّوقُ واللَّذة الجزئية الشخصية الخصوصية، وهذا الاحترام الشفوق، إلى آلافِ المشاعر والأحاسيس الكلِّية والعامة.. والأمثلة على ذلك كثيرة.
وبما يُشابِه حالَ بعضٍ من ذوي الأرواح المباركة، استشعرَتْ أرواحُ هؤلاء الأطفال الأبرياء بحسٍّ مُسبَق أن رسائل النور ستمنحُهم أُبوّةً دنيويّةً وأُخرويّةً، وستوفِّر لهم التربية والحماية، لذا فهم يُظهرون لخادم النور احترامًا شديدًا أكثر مما يظهرونه لآبائهم وأمهاتهم؛ حتى إنَّ طفلةً صغيرة لا تتجاوزُ الثالثةَ من العمر، ركضت نحوي حافيةَ القدمين، دون أن تكترث بالأشواك التي في طريقها، علمًا أني لا أعرفها ولم أرها من قبل.
ولأن لديَّ الكثيرَ من الأصحاب في "بولفادين"، فإننا حين نزورُها بالعربة نقطع الطُّرُقات مسرعين، لكنَّنا مع ذلك لا نستطيع النجاةَ من أولئك الصغار الأبرياء..
— 255 —
وهكذا الحالُ في كل مكان، رغم أنهم لم يسمعوا بي من قبل ولم يشاهدوني.. وإنَّ إظهارهم نحوي علاقة تُضاهي ما يُبدونه لأبائهم وأمهاتهم، جعلني أشعرُ في نفسي وجميع جوارحي أن في الإيمان بذرةً مّا للجنّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭