لاحقة أمير داغ
— 255 —
باسمه سبحانه
اضطُرِرنا لتوضيح حالةٍ رُوحيةٍ خفيَّةٍ خارقةٍ من أحوال أستاذنا، كيلا ينكسر خاطرُ أولئك الذين يحضرون لزيارته، ويَمضُون دون لُقياه، أو ربما نَحُولُ نحن دون لقائه؛ فلقد أهملنا اليومَ شيئًا من أمر خدمته، فعزم على إنهاء خدمتنا له رغمَ حاجته الشديدة، لكن ورد على خاطره الأمرُ الآتي، فبادر بالعفو والمسامحة:
الحقيقة أن أستاذنا أمضى معظمَ عُمُره منعزلًا عن الناس، ولم يقبل الهدايا طَوالَ حياته، بل كانت الهدايا التي يتلقّاها دون مقابل تُمرِضه، لذا فإن لقاءَ الناس به على سبيل التبجيل والاحترام يَثقُل عليه الآن كثيرًا، وقد ثبت لدينا بيقينٍ وبوقائعَ شتَّى أن مجرَّدَ مصافحته وتقبيل يده يؤثِّر في نفسه وروحه بمثل توجيهِ صفعة له، بل صار يتضجَّرُ ويتضايق حتى من نظر الناس في وجهه وإمعانِ النظر في مُحَيّاه، ونحن القائمين على خدمته لا ننظر إليه إلا للضرورة.
وسِرُّ هذا الأمر وحكمتُه: أنَّ أساس مسلك رسائل النور هو الإخلاص الحقيقيُّ، وإن التَّرحابَ والمُجالسة ومزيدَ التوقير في زمان الأنانية هذا، كلُّ ذلك علامةُ حبِّ النفس والرياء والتصنُّع، لذا كانت هذه الأمور تؤثِّر فيه كثيرًا، ويقول: "إنْ كان لقائي لأجل الآخرة، فإنَّ رسائل النور لم تُبقِ حاجةً إليَّ قطعًا، فإن كلَّ نسخةٍ من ملايين نُسَخِها تُقدِّمُ من الفوائد أضعافَ ما يقدِّمه عشَرةٌ من أمثال سعيدٍ هذا؛ وبما أني قطعتُ علاقتي بالدنيا فإن زيارتي لأجل الدنيا وشؤونها لا تعنيني بشيء، وأضيقُ بها ذرعًا، وأَعتبِرُها مَضيَعةً للوقت؛ وإن كان اللقاءُ لأجل خدمة رسائل النور وانتشارها فقد كفاني المؤونةَ
— 256 —
طلابي المضحُّون الحقيقيُّون، وأولادي وإخواني المعنويُّون القائمون على خدمتي، فيُغني لقاؤُهم عني، إذ لم يَدَعوا حاجةً لمُقابلتي؛ فليَعْذُرني مَن حولي من الإخوان، وكذا الذين يتَجَشَّمون عناءَ القدوم من أماكن وبَلَداتٍ بعيدة، ولا يَحزُنْهم ذلك".
وهو منذ عشرة أعوام يكرِّرُ إهداءَ الثواب ضمنَ أوراده أو الأوراد المُوكَّل من إخوانه بقراءتها في كل صباح فيقول: «اللهم اكتُب هذا في ديوان أعمال من يحضرون لزيارتي، وينصرفون دون لقائي» ، ويُهدِيها لأرواحهم جميعًا.
هذا ما أحببنا أن نبيِّنه لإخواننا مِن وضع أستاذنا وحالِه.
الباقي هو الباقي
طلاب النور القائمون على خدمته
٭٭٭