لاحقة أمير داغ
— 250 —

مبعث عِبرةٍ وحَيرةٍ وشُكر

تسعى المنظَّمات المُعادية السِّرّية المُعارضةُ لي منذ خمسين عامًا بجميع مكائدها لدفع القضاء والحكومة ضِدِّي، ولم يتركوا دسيسةً أو مكيدة إلا استخدموها في هذا الغرض، فلفتوا بذلك أنظار القضاء وحرَّضوه على التفتيش والتدقيق في مئةٍ وثلاثين كتابًا من كتبي، وفي الآلافِ من مراسلاتي خلالَ تسعةٍ وعشرين عامًا؛ فأصدَرَت خمسٌ من تلك الجهات القضائية قرارَ البراءة وإعادةِ جميع الكتب لعدم العثور على أيِّ جُرمٍ فيها؛ ومجدَّدًا حاول أعداؤنا العاملون في الخفاء تحويلَ أنظار القضاء والحكومة تجاهَنا بسبب حادثة "ملاطية"، غيرَ أن ثلاثًا وعشرين محكمةً أكَّدت عدمَ وجود أيِّ جُرم.
(حاشية): إن إعادة جميع أجزاء رسائل النور في "دَنِزلي"، وكذا المُصادَر منها في إسطنبول وأنقرة، وما وقع بأيديهم منها في "طرَسوس" التابعة لی"مرسين"، وصدورَ قرار البراءة والإعادة من محكمة أنقرة بعد تدقيقها جميعًا خلال أربعة أشهر، وتصديقَ محكمة التمييز لقرار البراءة والإعادة أربعَ مرات، ومرتين بعد أربعة أعوامٍ من محكمة "أفيون" التي دقَّقت في هذه القضية مطوَّلًا.. كلُّ ذلك يُظهِر جليًّا أن الجهات القضائية حَرَصَت جدِّيًّا على تحقيق العدالة، فما عادت الحوادث الجديدة تشكل هاجسًا وأهمِّية لها.
فيا لَلعجب! إن عدمَ إثبات أيِّ تهمة یی رغم وجود كثيرٍ ممَّن يبحث عن الذرائع والمكائد یی ضدَّ رجلٍ مثلي قليلِ الصلة والتواصل مع أهل الدنيا، ولا يضحِّي یی لأجل العالَم بأسره یی بحقيقةٍ واحدةٍ في رسائله النورية المئة والثلاثين.. وانصرافَ محكمة "أسكي شَهِر" التي تذرَّعت بمسألةٍ واحدةٍ فقط هي "مسألة الحجاب" إلى اعتبارها قناعةً شخصيةً بعد تلقِّيها الجوابَ المُقنِع بهذا الخصوص.. وعدمَ إبراز الجهات القضائية أيَّ موضعِ تهمةٍ ضمن هذه الكثرة الكاثرة من الرسائل والمراسلات غير المحدودة، في حين يُمكن إيجادُ نِقاطٍ عدّةٍ في عشر رسائل مكتوبةٍ في عشرة أيام من رجلٍ واحدٍ ملازمٍ للتقوى مثلَ طلاب النور تضعُه تحت المساءلة..
— 251 —
أقول: هذا كلُّه يُؤكِّدُ أنَّ عنايةً وحفظًا إلٰهيَّين قطعيَّينِ أسبغا رحمتَه ورحيميَّتَه بحقِّ طلاب النور وخُدّام القرآن، فكان أن أظهرَت جميع المحاكم ذات الصِّلة بقضيَّتنا عدالةً مذهلةً، وأحجَمَت عن البغي بأي طريقة، وقدَّمت نوعَ مساعدةٍ للحقيقة القرآنية القدسية، مع وجود آلاف الأسباب والدوافع العاملة ضدَّنا! ونحن بدورنا نشكرهم من أعماق أرواحنا وقلوبنا.
لقد غدت هذه العدليّاتُ مظهرًا لسِرِّ العدالة الحقيقية فيما يخُصُّنا من قضايا، ممّا يؤكِّد أن دُور العدالة لا يَحِقُّ فيها إلا الحقُّ وحدَه؛ وقد حُوكم السلاطينُ في العهود السابقة لدى المحاكم القضائية وجهًا لوجه مع الفقراء، فجلس سيِّدُنا عمر رضي الله عنه زمنَ خلافته العادلة سويًّا مع رجل مسيحيٍّ بسيط، وتقاضى سيِّدُنا علي رضي الله عنه مع يهوديٍّ من عامّة الناس.
فلأجل هذا السِّرِّ العظيم، وبالرغم ممّا عانيتُه منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، وما تعرَّضتُ له من شتَّى صُنُوف الاضطهاد والسَّجن والتضييق، لم أُبدِ استياءً أو سخطًا من أيٍّ من رجال القضاء، ولم أُبادر بالدُّعاء عليهم، بل كنتُ أشعر تجاههم بنوعٍ من الشُّكر والامتنان، وأُباركُ صنيعَهم.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 252 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاء الأوفياء المضحِّين..
أولًا: أبارك وأهنِّئُ من صميم روحي وقلبي خدمتَكم الإيمانية النورانيةَ الفائقة للعادة.
ثانيًا: جوابًا على الطلب المُلحِّ للی"أحرار" المتديِّنين في أثناء مؤتمرهم المُقام في أنقرة بتكليفي بوظيفةٍ رسمية في دائرة رئاسة الشؤون الدينية، وتوسيطِ تلامذة "المدرسة الزهراء" النُّوريِّين لإقناعي بقبولها، أقولُ: إنني أشكُر النُّوابَ وأصحابهم المتديِّنين الذين قدَّموا لي هذا العرض خلالَ لقائهم، وأبلغهم سلامي، وأدعو لهم بالتوفيق والنجاح؛ غيرَ أنَّني شديد الضَّعف، كثيرُ المرض، مضطرِب الحال، طاعنٌ في السِّنِّ، مشرفٌ على باب القبر، ولا أملك طاقةً على القيام بتلك الوظيفة القدسية، لذا فإني أُوكل نيابةً عني الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور، والشخصية المعنوية لخواصِّ تلامذة النور وفدائيِّي الإسلام الحقيقيِّين المُخلِصين، بأداء هذه الوظيفة بصفةٍ رسميةٍ بعون الله، كما كانوا يؤدُّونها قبل اليوم خفيةً بشكلٍ غير رسمي.. فأُحيل الأمرَ إليهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم المحتاج إلى دعائكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭