لاحقة أمير داغ
— 244 —
في سبيل الحفاظ على العِزّة العلمية، أبى أستاذُنا منذ القِدَم أن يتذلَّلَ أمام كبار القادة والرؤساء، وما كان يقبل هدايا أحدٍ من الناس دون مقابل؛ وما زال على هذا النهج الرافض حتى اليوم رغم نُحُولِ بدنه واشتداد مرضه، ومع عدم وجود أيِّ مانع شرعيٍّ من ذلك لدى أهل العلم، بل إنه لا يتناول أيَّ شيء نقدِّمه له یی نحن القائمين على خدمته مهما كان صغيرًا یی حتى يدفع ثمنه، وإن هو تناوله أصابه المرض على الفور؛ فأدركنا أن ظهور هذا الأمر لديه في صورة مرضٍ ما هو إلا ليَمنَعَه من الإخلال بقاعدته، حِفاظًا على الإخلاص التامِّ في خدمة رسائل النور.
ولأجل ذلك أُخطر على قلبه الامتناعُ ممّا يلزمُ أهلَ العلم من لقاء الناس ومُجالستهم ومصافحتهم حتى لو كانوا أخصَّ أصحابه، وحتى في أعياد رسائل النور الذي نعيشه الآن بانتشارها في كل مكان، فكان لمرضه يتضجَّرُ ويتضايق حتى من نظر الناس إليه، وذلك حِفاظًا على الإخلاص.
شاهدناه يتحدَّث إلى طلابه في هذا العيد المبارك وقد اشتدَّ عليه المرضُ وهو يقول: "أُوصي بأن يكون قبري في مكان مجهول، وألّا يطَّلع على موضعه سوى واحدٍ أو اثنين من طُلّابي، فالحقيقةُ التي صرَفَتني عن لقاء الناس في الدنيا، ستمنَعُني بعد وفاتي أيضًا".
فسأَلْنا أستاذَنا: إنَّ الذي يزور القبر يقرأ الفاتحةَ وينالُ الأجرَ؛ فما حكمةُ منعِكم من زيارة قبركم؟ فأجاب: "إن الغفلة التي تورثُها الأنانيةُ وحبُّ الذات في هذا الزمان الصَّعب، تَصرِفُ اهتمامَ الناس وأنظارَهم إلى مقام الميِّت ومكانتِه الدنيوية لدى زيارتهم المقابر، مثلما عمل الفراعنة في السابق على تحنيط موتاهم ونَصْب تماثيلهم ونشرِ صورهم رغبةً في توجيه الأنظار إليهم؛ كذلك في زماننا حوَّلت التماثيلُ والصورُ والجرائدُ الأنظارَ إلى المعنى الاسمي یی أي: لذات الشخص یی دون المعنى الحرفي، وسلَّطت الضوءَ على المكاسب الدنيوية أكثر من المكاسب الأخروية، وذلك بسبب الغفلة الناشئة من الأنانية.
ففي الماضي كانت تلك الزياراتُ ابتغاءَ مرضاة الله وحده، أما اليوم فإن أهل الدنيا خالفوا الأمر تمامًا، إذ أَوْلَوا أهمِّية كبرى لشخص الميت نفسِه وإلى مقامه ومنزلته التي كان يحظى بها في الدنيا، فهم يزورون قبره بهذا الاعتبار؛ لذا فإنني أُوصي أن يكون قبري
— 245 —
مجهولًا كيلا أُفسِد الإخلاصَ العظيم الذي في ثنايا رسائل النور؛ وإن قراءة الفاتحة من أيِّ شخصٍ حيثما كان في مشرق الأرض أو مغربها، يَبلُغ ثوابُها تلك الروح.
إن الحقيقة التي منَعَتْني لقاءَ الناس في الدنيا، ستمنعُني الأمرَ ذاتَه بعد وفاتي دون شكٍّ، لا من جانب الثواب، بل من جانب المكاسب الدنيوية".
طلابه القائمون على خدمته
٭٭٭
نسخةٌ عن الرسالة التي بعث بها أستاذُنا إلى هيئة محكمة "أفيون":
لقد حضرتُ اليوم إلى "أفيون" لأهنِّئكم وأشكركم جزيلَ الشكر لمحافظتكم على كتبنا من التلف هذه المدّة الطويلة، ثمَّ إرسالِها إلى "أنقرة".
لقد دقَّقت محكمتُكم قبل عشرة سنواتٍ الرسائلَ الخاصة التي كُتبت باسمي من قِبَل البعض، وما لحقها من مكاتَباتهم الخاصّة، ولكونها لا تحمل توقيعي، ولم تُنشر، ولم يُعثر فيها على أيِّ نقطةٍ تُوجب المساءلة، لم يُؤبَه لها كثيرًا.
ولا يحسُن برجال القضاء ولجنة الخبراء أن يَشغَلوا أنفسهم مجدَّدًا ودون جدوى بتدقيق رسائل كُتِبت دون علمي ولا صلةَ لها برسائل النور، وقد مرَّ عليها زمنٌ وشَمِلَتْها قوانينُ العفو ولم تُنشَر أصلًا؛ فالمرجوُّ من عدالتكم ألّا تُخضعَ كتبي المباركة للتعطيل والتأخير بسبب ربطها بهذه الرسائل الخاصة.
ورغم أن هذه الجهة القضائية المباركة أصدَرَت قرارَ البراءة بحقِّ الكتب مرتين وأمرت بإعادتها، إلا أنها ظلَّت محتَجَزةً لبعض الأسباب، وبهذا الصدد نودُّ أن نخبركم أن بعضَ هذه الكتب أو كلَّها أعادتها خمسُ محاكم، وسلَّمتها خمسُ مديرياتِ أمنٍ لأصحابها؛ والمأمول من عدالتكم ونواياكم الحسنة أن تحملَكم على إعادتها الآن أيضًا إن شاء الله.
المريض: سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭