— 229 —
قبل أربع سنوات أَوكلَ إليَّ أستاذي یی بسبب مرضه یی أمرَ متابعةِ مُجرَياتِ محاكم رسائل النور في "أنقرة"، وحينها أرسلنا الرسالة الواردة أدناه إلى بعض نوّاب مجلس الشعب، وها نحن اليوم نعرِضُها مجدَّدًا عليكم وعلى النوّاب لذات الغرض، لا سيَّما وقد جرت في الأشهر الأخيرة محاولاتٌ لإنشاء جامعةٍ جديدةٍ في الولايات الشرقية.
إن الانتشار الواسع لرسائل النور داخلَ البلاد وخارجَها خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، وما تَرَكت من أثرٍ بليغٍ في النفوس، مع السعي المتواصل منذ خمسٍ وخمسين سنةً لإنشاء جامعةٍ كبيرةٍ في الولايات الشرقية، يُشكِّلانِ قضيَّتينِ مهمَّتينِ متعاقبتَينِ، تكمِّلُ إحداهما الأخرى، لما لهما من أهمِّية كبرى في العالم الإسلامي في الوقت الراهن.
فهذا الشعب ولا سيما أهل الولايات الشرقية، وأربعُ مئة مليونٍ من شعوب العالم الإسلامي إضافةً إلى العالم المسيحي الذي يَنشُد السلامَ العالميَّ الشامل، يهتمُّون جميعًا بهذين الحدَثين الجليلَين وهاتين النتيجتين العظيمتين، إذ هما مصدران كلِّيان ومُهِمّان لنشر الإسلام والتعريف بحقائق القرآن.
لقد بذل أستاذنا منذ خمسٍ وخمسين سنةً جهدًا كبيرًا، وسلك شتَّى السُّبل من أجل إنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ في شرقيِّ الأناضول باسم "المدرسة الزهراء" على غرار "الجامع الأزهر"، وظلَّ باستمرار يؤكِّد على أهميَّتها والحاجة الماسّة إليها، فمن ذلك ما ضَمَّنه رسالةَ التهنئة التي بعث بها إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النُّواب بهذا الخصوص، وممّا جاء فيها:
إن "جامعة الشرق" بما تتمتَّع به من مركزيّةٍ في العالم الإسلامي ستحظى بمقامٍ مرموقٍ يكون مبعثَ فخرٍ للأمّة الإسلامية؛ وستتجسَّد فيها الخصالُ المعنوية الخالدة والخِدمات الدينية السامية والمُهِمّة التي أدّاها في الماضي أجدادُنا الأعزّاءُ المباركون
— 230 —
الراقدون تحت ثرى تلك الولايات من علماءَ وعارفين وشهداءَ ومحقِّقين، وستؤدَّى وظيفتُهم الإيمانية مجدَّدًا على نطاق أوسع.
أما منهاج "جامعة الشرق"، فالذي يليق أن يكون برنامجَ علمها وعملها معًا هو: رسائل النور، فهي التي فسَّرت حقائقَ القرآن الحكيم الإيمانية، وأقامت البراهين العقلية والدلائل المنطقية النافعة لإثبات مسائلها، وقدَّمت دروسًا تخاطبُ العقلَ؛ فحريٌّ بها اليومَ أن تكون مادّةَ الدروسِ ومنهاجَ التلقِّي لدى جامعات هذا العصرِ ومدارسِه.
ولقد ظهَرَت رسائل النور على يدِ طالبٍ من طلاب أساتذة المدارس الدينية المنتشرة في شتَّى بقاع الأناضولِ، والتي فجَّرت خلال مئاتِ السنين يَنبُوعَ الحياة المعنوية في تلك الأرجاء؛ ونسألُ اللهَ تعالى برحمته أن يَمُنَّ بمُعاودة الأساتذةِ الأفاضلِ المنوَّرين أعمالَهم من جديد، مُستَقِين من الثمار اليانعة ومتفيِّئين الظلالَ الوارفة لهذه الدوحة المنوَّرة، وأن تتَّسِع بها دائرةُ وظيفتِهم التنويرية وخدمتِهم القرآنية لتشمل العالم كلَّه.. ويؤمِّنُ على دعائنا هذه دومًا لسانُ حال العالَمِ بما يَنشُدُه اليومَ باضطرارٍ وافتقارٍ من السَّلام والأمان الشامل.
أجل، إنَّ النشاط العلميَّ والمعرفِيَّ الذي كان منقطعَ النظير في الشرق، تجلَّت ثمرتُه ونتيجتُه الكُلِّية في رسائل النور، فاستحقَّت أن تكون البرنامجَ الإسلاميَّ لعمل "جامعة الشرق"، واستوجبت على العاملين لخدمة هذه الأُمّة والعالم الإسلامي أن تلقَى اهتمامهم؛ وإن انتشارَ رسائل النور في كلٍّ من أمريكا وأوروبا، وازديادَ الإقبال والطلب عليها هناك، لَدَليلٌ قطعيٌّ على صِحّة دعوانا هذه.
مصطفى صُونغُر
٭٭٭