لاحقة أمير داغ
— 226 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء...
في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان الحالي، التي يتلقَّاها العالمُ الإسلاميُّ على أنها أرجى الليالي موافَقةً لليلةِ القدر، شعرتُ بمرضٍ شديدٍ أخذ يستولي على أعصابي وقلبي ووجداني، فضلًا عن مرض المعدة الناجم عن التسمُّم.. وبين آلام هذين المرضين الشديدين المادِّية والمعنوية استشعرتُ في قلبي بحسِّ الشفقة والرأفة تلكم الآلامَ التي يعانيها جميعُ ذوي الحياة، فحينَها انتابَتْني حالةٌ روحية أشدُّ إيلامًا من أمراضي الخاصة.
وفوق هذا كلِّه انتابني شعورٌ مؤلمٌ يفوقُ مرضيَّ هذين، وكاد يزُجُّ بي في يأسٍ عميقٍ حزينٍ، وراح يُمارِسُ وظيفةَ نفسي الأمّارة، فذكَّرني بأنِّي بلغتُ ثمانين عامًا ونيِّفًا، ولم أَعُد أقوى في ختام هذا العمُر وفي آخر ليلةِ قدرٍ من حياتي على الطاعة التي يُضاعَف أجرُ العملِ فيها إلى ثمانين عامًا؛ وفي تلكم اللحظة هبَّ لنجدتي سِرٌّ من أسرار الآية الحَسْبية، فصرف عني یی بحمد الله یی هذه الأمراض الثلاثة، وأوتيتُ طاقةَ تحمُّلٍ خلافَ المتوقَّع؛ وصُبَّ على أدوائي الثلاثةِ ثلاثةُ أدويةٍ على النحو التالي:
أمّا المرض الماديُّ: فإنَّ ساعةَ مرضٍ من امرئٍ صابرٍ متوكِّلٍ ينالُ بها أجرَ عشرِ ساعات من العبادة؛ ويُضاعَفُ في ليلة القدر أكثرَ فأكثر، كما أُثبِت في "رسالة المرضى"، فقام مرضي في هذه الليلة مقامَ العبادة والخِدمة التي عجزتُ عن أدائها، وأضحى هذا الشعورُ كالدواءِ الشّافي لمرضي المادِّي.
وأما الآلام المتولِّدة بحسِّ الشفقة على أمراض ذوي الحياة وآلامهم: فإنها تحوَّلت بتجلِّي الرحمة الإلٰهية إلى لَذّةٍ وسرورٍ معنويَّين، بمعنى أنَّ رحيميّة بارئِ
— 227 —
المخلوقات وشفقَتَه ورحمتَه تفي وتكفي لتحويل آلامهم إلى نوعٍ من اللَّذّة أو المكافأة لهم؛ ومن ثمَّ فإنَّ ترجيحَ العبد شفقتَه على تلك الرحمة الإلٰهية أمرٌ عبثيٌّ وباطل؛ فغدا هذا الشعورُ شفاءً لا دواءً فحسبُ.
أما ألمي المعنويُّ الناجم من فقداني لأغلى خزينةٍ معنويةٍ في أواخر عمري: فإنَّه بسرِّ الشراكة المعنوية بين تلاميذ النور الخواصّ، ينالُ كلٌّ منهم حظَّه من الدعاء والعمل الصالح الصادرِ باسم الجميع، ويشترك في دعوات جماعاتِ جميع الموجودات وذوي الحياة، وأدعيةِ التوحيد التي ينطقون بها في التشهد والفاتحة، كما هو موضَّحٌ في "الحُجّة الزهراء" و"مفتاح النُّور".
وكذا الاشتراك یی بصُحبةٍ معنوية یی في أعمالِ جميعِ أهل الحقيقة السالكين الصراطَ المستقيم، وعمومِ الماضين في طريق أهل الإيمان، من خلال "التأمين" الصادر تصديقًا لأدعيتهم ودعاويهم؛ ففي الفاتحة والتشهُّد مشاركةٌ وإسهامٌ في الحمد والشكر وفي جميعِ الاستعانات والعبادات الكلّية التي تؤدِّيها عامّة المخلوقات، وخاصة ذوي الحياة، ولا سيَّما عناصر التراب والهواء والماء والنور، إذ كلٌّ منها بمثابة لسان، فتَصدر من التراب هدايا الحياة، ومن الماء المباركاتُ والتبريكات، ومن الهواء تَمثُّلاتُ الشكر والعبادة، ومن عنصر النور الطيباتُ والمحاسن المادِّية والمعنوية.
هكذا أغاثني هذا السِّرُّ الكلِّيُّ في تلك الليلة، فكان تِرياقًا لألمي المعنوي بسبب مرضي وضعفي، ويأسي من القيام ولو بخدمةٍ جزئية؛ وغدا دواءً أيَّما دواء! إذ أحسَسْتُ بسعادةٍ معنويّة لم أجدها في أكثرِ أورادي ذَوْقًا ومتعةً ولذّة، تلك التي كنتُ أؤدِّيها في أزهى أيّامِ الصِّحَّة والشَّباب، فحَمِدتُ الله كثيرًا، وارتضَيتُ مرضي الشَّديد، وقلت: "الحمد لله بعدد عاشِراتِ دقائق شهر رمضان في كل زمان".
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭