— 220 —
ردٌّ على جريدةٍ مزيِّفةٍ للحقائق حول جامعة الشرق
هذا ردٌّ على مقالةٍ نُشِرت في جريدة "يني أولوس" في عددها الصادر بتاريخ (١/٤/١٩٥٤م) حول "جامعة أتاتورك"؛ وتمثِّل هذه الجريدةُ الجناحَ الناقدَ المُتشدِّدَ لأحد أحزابِ المعارضة؛ وسنوضِّحُ في هذا الردِّ حقيقةَ تلك الجامعة وأهمِّيتَها:
إن دار العلوم التي أُطلق عليه اليومَ اسمُ "جامعة أتاتورك" قد سعى أستاذُنا لتأسيسها منذ خمسين عامًا، وبذل في سبيل ذلك جُهدَه وهِمَّتَه؛ ورغم ما عُرف عنه من مُعارضة الاتِّحاديِّين، إلا أنهم والسلطانَ "رشادًا" وافقوا على تخصيص مبلغِ تسعةَ عشَر ألفَ ليرةٍ ذهبيةٍ لإنشاء هذه الجامعة، وقام أستاذُنا بوضع حجرِها الأساس في "وان"، لكنَّ نشوبَ الحرب العالمية الأولى حالَ دون إتمامها.
— 221 —
وفي بداية عهد الجمهورية دُعي أستاذُنا لزيارة مجلس النُّواب في "أنقرة"، فعاود محاولتَه مجدَّدًا؛ ومع ما عُرِف عنه من معارضته التامّة لسياسة القائمين على أمور الدولة آنذاك، وهجرِه السِّياسةَ كلِّيًّا، ومخاطبته لهم بالقول: "لن أتدخَّل في أمور دنياكم"، وقوله لمصطفى كمال: "إنَّ الذي لا يصلِّي خائن"، ورفضِه ما قُدِّم له من عروض مُغرِية كالثروة والراتب وتكليفِه بمنصب الواعظ العام في الولايات الشرقية.. أجل، مع هذا كلِّه وافق مئةٌ وثلاثةٌ وستُّون نائبًا من أصل مئتين على تخصيص مبلغِ مئةٍ وخمسين ألفَ ليرةٍ ورقيةٍ لإنشاء "جامعة الشرق"، وصادَق "مصطفى كمال" على هذا القرار.. كلُّ ذلك يُؤكِّد أن قضيّةَ هذه الجامعة هي أعظمُ قضايا المناطق الشرقية في ذلك الوقت؛ وأمّا اليومَ فالحاجة لها أضعافُ ما سبق، وقد اتُّخذ مؤخَّرًا قرارُ إنشائها في عهد الحكومة الإسلامية هذه، وكان ذلك ثمرةَ هِمّةٍ ومتابعةٍ وتشجيعٍ مادِّيٍّ ومعنويٍّ من أستاذنا.
ونعرض عليكم قيمة "جامعة الشرق" وأهميَّتَها العظيمة في بضع نقاط، وما هي إلا قَطَرات من بحر:
الأولى: موقعها المركزيُّ بين إيران والبلدان العربية ومصر وأفغانستان وباكستان وتركستان والأناضول، فهي منها بموضع القلب من الجسد، ودورُها يوازي دورَ الجامع الأزهر والمدرسة الزهراء.
الثانية: تنشُد البشريةُ اليومَ الخلاصَ، وتسعى شعوبُ العالَم باحثةً عن حلول لإرساء السلام الشامل وتثبيت الاستقرار والقضاء على الفساد؛ وتُوقِّع في سبيل تحقيق ذلك الاتِّفاقياتِ والمعاهَدات؛ وما دامت هذه الحكومة الإسلامية تَحرِص على بناء علاقاتٍ ودِّيةٍ مع جميع الدول بدءًا من يوغسلافيا حتى إسبانيا، وتعملُ على تأسيس شراكةٍ معها لتحقيق السلام وتوفير السلامة؛ فإننا نضعُ بين أيديكم یی وبالبرهان الساطع یی السبيلَ الأجدى لبلوغ هذه الأُمنيات، إنَّها "رسائل النور"، دروسُ الرجل الأوَّلِ الذي عمل على إنشاء هذه الجامعة، والتي وازنت بين العلوم الحديثة النافعة وبين العلوم الدينية؛ والتي ألزمت علماءَ الفلسفة الحجّةَ على مدار الأعوام الثلاثين
— 222 —
الأخيرة، والتي حَظِيَت بتقديرِ واستحسانِ العلماء من ذوي المناصب الرسمية المُهمّة رغمَ ما أثارت من حفائظِهم، والتي وقَفَت أمام اعتداءات الحكومة السابقة بالطُّرق القانونية والرسمية حتى نالت البراءة.
أجل، لقد حافظت رسائلُ النور على أمن هذا الوطن والشعب واستقرارِه، بل إنها حالت دون انتقال عدوى حوادث الإخلالِ بالأمن التي اجتاحت عمومَ الدُّول الإسلامية، وخاصةً المغرب ومصر وسوريا وإيران، فلم تمتدَّ حُمّاها إلى بلادِنا هذه.
فمثلَما كفَلت رسائلُ النور الأمنَ والاستقرار في هذا الوطن وبين أفراد هذا الشعب رغم كثرة الدواعي والأسباب أُسوةً بالدول الأخرى، كذلك إنشاءُ "جامعة الشرق" سيُشكِّل مظهرًا لعموم السلام بين الأنام.
ولمّا كان الدمارُ الذي حلَّ بالبشرية اليومَ دمارًا معنويًّا، كان لا بدَّ لترميمه من وسيلةٍ تمتلكُ تأثيرَ قنبلةٍ ذَرِّيةٍ معنويّةٍ وطاقتَها الفعّالة؛ وإنَّ رسائل النور التي تمثِّل رأس مال تلك الجامعة، قد شَكَّلت على مدار الأعوام الثلاثين الأخيرة حصنًا منيعًا لصدِّ هجمات الضلالة والفلسفة والإلحاد التي تَقذِفُ بها أوروبا، وباتت بالدليل القاطع تلك الطاقةَ المعنوية الهائلةَ القادرة على ترميم ذلك الدمار المعنوي وإصلاحه.
الثالثة: تمتلك "جامعة الشرق" بحكم مركزيَّتها ماهيّةً وأهمِّيةً تُهِمُّ الدُّولَ الإسلامية وعمومَ دُول آسيا، لذا لو أُنفق لأجلها ستُّون مليار ليرة لا ستُّون مليونًا فحَسبُ، لاستحقَّت ذلك بجدارة.
ولأن "يني أولوس" جريدةٌ معارِضة، فهي تحاول الآن طمسَ معالم هذه القضية، وتطلق على العاملين لأجلها من أعضاء الحكومة الجديدة صفةَ الرجعية؛ بينما هي في حقيقتها مبعثُ الرُّقيِّ والسلام العالميِّ الشامل.
إن تشييدَ هذا الصَّرح العظيم سيمنح الحكومة الإسلامية قوةً كبيرةً كالتي منحتها إحياء الشعائر الإسلامية مثل الأذان المحمدي وإدخال الدروس الدينية؛ وسيُدوِّنُ التاريخُ اسمَها في سجلِّ الخلود بمِدادٍ من نورٍ مع كمال الاستحسان والتقدير.
— 223 —
وإن فيضَ النور المنبعثَ من إحياء حكومة الديمقراطيِّين لهذه القضيّة مجدَّدًا وتكريسِها لتلك الخدمة الجليلة، سيكون له بريقٌ ساطعٌ لم تَشهَد مثلَه العيون، وسيُبوِّئُها مكانةً مرموقةً بين الشعوب والأُمم.
طلاب النور
القائمون على رعاية صحة الأستاذ
٭٭٭