لاحقة أمير داغ
— 218 —

إلى مجلس الوزراء وإلى السيد "توفيق إلَري"..

نودُّ إعلامَكم أننا أبلغنا أستاذَنا عن مساعيكم الجليلة لإنشاء "جامعة الشرق"، فأجاب بالقول: أدعو بالبركة من صميم روحي لوزيرِ المعارف، ولولا مرضي لذهبتُ بنفسي إلى الولايات الشرقية لأجل هذا الأمر، فأنا منذ خمسةٍ وخمسين عامًا أسعى لتأسيس "جامعة الشرق" تحت اسم "المدرسة الزهراء".
لقد قَدِمتُ إلى "إسطنبول" قبل عهد "الحُرِّية" لهذا الغرض، وحاولتُ تأسيسَ جامعةٍ في "وان"، وأخرى في "ديار بكر"، وثالثة في "بِتْليس"، أو على الأقل واحدة فقط في "وان"؛ فكان أن ظهر عهدُ " الحُرِّية" وتأجَّل أمرُها.
بعد ذلك ذهبتُ إلى "كوسوفو" في عهد الاتِّحاديِّين برفقة السُّلطان "رشاد" في رحلته إلى "الرُّوم إيلي"، وكانت هنالك مساعٍ لإنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ كبيرةٍ في "كوسوفو"، فقلتُ حينَها للاتِّحاديِّين وللسُّلطان "رشاد": "إن الشرق أشدُّ حاجةً لمثل هذه الجامعة، إذ هو بمثابة مركزٍ للعالم الإسلامي"، فتلقَّيتُ وُعُودًا بذلك.
ولمّا اندلعت حروبُ البَلقان، وتمَّ احتلالُ "كوسوفو" المقرَّرِ إنشاءُ الجامعة فيها، تقدَّمتُ بطلبِ منحِ المبلغِ المخصَّصِ لها یی وقدرُه عشرون ألفَ ليرةٍ ذهبية یی لإقامة "جامعة الشرق"، فوافقوا على الطلب، وسافرتُ آنئذٍ إلى "وان"، وقمنا بوضعِ حجرِ الأساسِ بقيمة ألفِ ليرةٍ لإنشاء تلك الجامعة في "أدْرَمِيت" المحاذية لبُحيرَة "وان"، إلا أنَّ الحرب العالمية الأولى اندلعت، وتأجَّلت القضية مرةً أخرى.
وبعد خَلاصي من الأسر قَدِمتُ إلى "إسطنبول"، فتمَّت دعوتي إلى "أنقرة" تَثمينًا للخِدمات التي أسدَيتُها إبّان حرب الاستقلال، فذهبتُ وخاطبتُ مجلسَ النُّواب بالقول: إنَّني أُتابعُ أمرَ هذه الجامعة طَوالَ حياتي، وقد خصَّص لها السُّلطان "رشاد" والِاتِّحاديُّون مبلغَ عشرين ألفَ ليرةٍ ذهبية، فضاعِفوا أنتم هذا المبلغَ. فقرَّروا تخصيصَ مَبلغِ مئةٍ وخمسين ألفَ ليرة من العُملة الورقية لهذا المشروع.
— 219 —
وحين طلبتُ توقيعَ النُّوّاب على هذا القرار، اعترض بعضُهم قائلًا: ولكنَّك تسيرُ وفقَ أصول المدارس التَّقليدية، فلا تُدرِّسُ سوى العلومِ الإسلامية، ونحن في هذه الأيام بحاجةٍ لتقليدِ الغرب!! فأجبتُهم: إنَّ تلك الولاياتِ الشَّرقيةَ مركزٌ من مراكز العالَم الإسلاميّ، وإنَّ تعليمَ العلومِ الدِّينية إلى جانب العلوم الحديثة لازمٌ بل ألزمُ، لأنَّ مجيء أكثرِ الأنبياء في الشَّرق ومجيء أكثرِ الحُكماء في الغرب يُظهرُ أنَّ رُقيَّ الشَّرق إنَّما يتحَقَّقُ بالدِّين.
(حاشية): لقد كان عندي فيما مضى طالبٌ غير تركيٍّ يَتَّقِدُ نشاطًا وذكاءً، وكان يقول لي مستفيدًا من دروس الحَميّة التي تلقّاها من العلومِ الدِّينية في مدرستي القديمة: إنَّ تركيًّا صالحًا أقربُ إليَّ من أخي وأبي الفاسقَينِ. ومضت الأيّامُ وأكبَّ ذلك الطالب ی لسُوء الحظِّ ی على دراسة العلوم الحديثة المادِّيّة الصِّرفة، ثمَّ لَقِيتُه بعدَ أربع سنين حين عودتي من الأسر، ودار بيننا حديثٌ عن الحَميّة القوميّة، فقال لي: إنَّني اليومَ أفضِّلُ رجلًا كُرديًّا رافضيًّا على عالِمٍ تركيٍّ صالحٍ!! فقلتُ: وا أسفاه!! ألهذه الدَّرجة قد فسَدْتَ؟! فاجتهدتُ أسبوعًا في معالجتِه وإنقاذه حتى عدتُ به إلى حَمِيَّتِه الحقيقية السّالفة.
كما أنني قلتُ لأعضاء مجلس الشعب الذين عارضوني في مجلس الشعب: ما أشدَّ حاجةَ الشَّعبِ التُّركيِّ إلى الحال الأولى التي كان عليها ذلك الطالبُ!! وما أبعدَ حالَه الأخرى عن مصلحة الوطن!! أُحيلُ تقديرَ هذا إلى عُقولكم، بل حتى لو افتَرَضنا مُحالًا أنَّكم فضَّلتُم الدُّنيا على الدِّين في أماكنَ أخرى، ولم تُوْلُوا الدِّينَ أهمِّيةً لاعتباراتٍ سياسية، فإنَّه يَلزَمُكم على أيّةِ حالٍ أن تُوْلُوا تدريسَ الدِّين في الولايات الشَّرقية أهمِّيةً عُظمى.
فغادر بعدها المُعارِضون قاعةَ المجلس، ووقَّع مئةٌ وثلاثةٌ وستُّون نائبًا على هذا القرار؛ وإنَّ عريضةً تحملُ هذا القدرَ من التوقيعات لن يُفسدها یی بطبيعة الحال یی الاستبدادُ المطلق الذي دام سبعًا وعشرين عامًا.
حتى لو اقتصرتُم في الولايات الأخرى على تدريس العلومِ الحديثة وحدَها، فلا بُدَّ لكم في الشَّرق یی على أية حالٍ، وباسم مصلحةِ الوطن والشعب یی من جعل العلومِ الدِّينية هي الأساسَ، وإلّا فإنَّ مَن هنالك من المسلمين غيرِ الأتراكِ لن يشعُروا بالأخُوّة الحقيقية تجاهَ الأتراك، مع أنَّنا اليومَ بأمسِّ الحاجة للتَّعاوُن والتَّسانُد أمامَ كلِّ هؤلاء الأعداء.
وقد أدَّى تقدُّمي في السِّنِّ وتردِّي حالتي الصِّحِّية نتيجةَ التسمُّم، للحيلولة دونَ متابعة أجلِّ غاياتِ حياتي منذ خمسين عامًا، ودون السفر إلى "أنقرة" لتهنئة العاملين
— 220 —
على بناء هذا الصَّرح العظيم الذي سيُشكِّل مفتاحًا لرُقيِّ الشرق؛ لكن مؤكَّدٌ أنَّ وزير المعارف اطَّلع على كتابَيِ "المناظرات" و"صَيقل الإسلام" اللذَينِ طُبعا في مطبعة "أبو الضيا" قبل خمسة وثلاثين عامًا، فلْيَتحدَّثا نيابةً عني، فحياتي ميؤوسٌ منها.
وإنني أُوكِّل نيابةً عني مئةً وخمسين رسالةً من رسائل النور لتكون هي منطلَقاتِ تلك الجامعة العظيمة ومبادئَها، وبرامجَها المعنوية وموادَّها العالية؛ وأقدِّمها للشَّباب المُضحِّين من طلاب الجامعات الذين على عاتقهم صناعةُ مستقبلِ هذا الوطن والأُمّة؛ وأقدِّمها كذلك لوزارة المعارف، وأضرَعُ إلى الله تعالى برحمته أن يوفِّقَ "توفيق إلري"، لحمايةِ رسائلِ النور بدلًا من هذا الی"سعيد" المِسكين.
الباقي هو الباقي
المريض الهرِم الغريب المجرَّد
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭