— 205 —
رسالةٌ كتبها الأستاذ النُّورْسِيّ إلى رئيس الوزراء "عدنان مَنْدَرِس" الذي يعترف بالفضل للخدمة الجليلة التي أسدتها رسائل النور للوطن والشعب والدين.
باسمه سبحانه
كنتُ أوَدُّ اللقاء ببطلٍ من أبطال الإسلام كی"عدنان مَنْدَرِس"، رغمَ مرضي الشديد وعدم صلتي بالسِّياسة، لكن بما أن الظروف والأوضاع لا تسمح بذلك، فقد كتبتُ هذه الرسالة لِتَحُلَّ محلَّ اللقاء، وتتحدَّثَ بدلًا مني:
هذا بيانٌ موجَز لبعضِ الأُسس أتوجَّه به إلى المتديِّنين أمثال "عدنان مَنْدَرِس" أحد أبطال الإسلام:
الأول: إن أحد دساتير الإسلام الكثيرة هو ما عبَّرَت عنه الآيةُ القرآنية الكريمة: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وبمقتضى هذا الدستور الجليل لا يؤاخَذ المرء بجريرةِ غيره وإن كان قريبَه أو صديقَه؛ والحال أن السياسة الحالية، بما فيها من منطقِ الولاء الحزبي، تَقبَل الإضرار بأبرياءَ كُثْرٍ بسبب مجرمٍ واحد، فبينما يرتكب الجنايةَ مجرمٌ واحدٌ إذا بالأذى والقدح والتشنيع ينالُ أهلَه أو أصحابَه، وتغدو الجناية الواحدة مئةَ جناية، فيثير هذا نوازعَ حقدٍ وعداوةٍ رهيبةٍ، ويحمل المرءَ على إضمار مشاعر الحقد والضغينة والانتقام.
ولا ريبَ أن هذا سُمٌّ زعافٌ يدمِّر الحياة الاجتماعية بأكملها، ويُفسِح المجال واسعًا لتدخُّلات العدوِّ الخارجي، ولقد تبيَّن أن الأزَمات والحوادثَ التي وقعت مؤخَّرًا في كلٍّ من مصر وإيران إنما نجمت عن هذا الأصل، على أنها إن قُورِنَتْ بأحوال بلدنا ظلَّت خفيفةً لا تتجاوز الواحدَ بالمئة، وإلا فلو وقعت مثل هذه الحوادث عندنا یی لا سمح الله یی لأكلَتِ الأخضر واليابس.
وليس إزاء هذا الخطر المُحدِق سوى حلٍّ وحيد، ألا وهو إرساءُ حجرِ أساسِ التآخي والانتماء الإسلامي، وإبقاء الجناية مقصورةً على مرتكبيها حمايةً للأبرياء.
— 206 —
ثم إن حجرَ أساسِ الأمنِ والاستقرار إنما يَرسَخ بهذا الدستور أيضًا، فلو وُجد في بيتٍ أو في سفينةٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ مقابلَ عشَرةِ مجرمين مثلًا، فإن العدالة الحقيقية ودستور الأمن والاستقرار يستلزمان عدمَ التعرُّضِ لهذا البيت أو السفينة إلى أن يُغادره ذلك البريءُ، وذلك حمايةً له ودرءًا للخطر عنه.
وانطلاقًا من هذا الدستور القرآني، فإن تهديد الأمن والاستقرار الداخليِّ بتعريض تسعين بريئًا للخطر بجريرةِ عشَرِة جُناةٍ، أمرٌ يستجلبُ الغضبَ الإلٰهي، وبما أن الله جل شأنه قد مكَّنَ لفريقٍ من المتديِّنين بحقٍّ في هذا الزمان العصيب، فإن هذا إيذانٌ لهم بوجوب أن يتَّخِذوا هذا الدستور القرآني حصنَهم ونقطةَ استنادِهم، ويواجهوا به مَن كانوا بالأمس يعاملونهم بحقدٍ وضغينة.
أما الدستور الثاني من دساتير الإسلام فهو الحديث الشريف القائل: «سيِّدُ القوم خادمُهم».
وهو ينصُّ على أن المَنصِب لخدمة الناس، وليس أداةَ تحكُّمٍ لمُمارسة الحاكمية والأنانية عليهم؛ إلا أنه لنقص التربية الإسلامية في هذا الزمان، وضَعفِ العبودية لله تعالى، قَوِيَت الأنانية واشتدَّ ساعدُها، فلم يَعُدِ المَنصِب خدمةً، بل أصبح حاكميةً ومرتبةً استبدادية، فلم يَعُدِ العدلُ عدلًا وفسد من أساسه، وضاعت حقوق العباد، وصار إعمال القانون شكليًّا يُشبه أداء الصلاة من غير وضوءٍ ولا استقبالِ قبلة؛ وكيف لمن لم يعرف حقوقَ الله أن يعرف حقوقَ العباد؟!
وثمّة اليوم تيّاران رهيبان يُعارِضان هذين الدستورَين ويقفان في وجه شخصٍ كی"عدنان مَنْدَرِس" الذي قال: "سنعمل وفقَ ما يُوجِبُه علينا الدِّينُ والإسلام"؛ وثمّة احتمالٌ كبيرٌ أن يَشُنّا هجومَهما عبر خداع الشعب برشاوٍ معنويةٍ هائلة، وعبر إفساح المجال للتدخُّل الأجنبيّ.
فأما التيّار الأول فقد سبق أن استباح دماءَ أربعين بريئًا بل قريةً بأكملها بجريرةِ مجرمٍ واحدٍ، خلافًا للدُّستور الأول الآنفِ الذِّكر، وهو تيّارٌ على قدرٍ عظيمٍ من الاستبداد المُطلَق، يرشو الناس اليوم بما تصبو إليه كلُّ نفسٍ مِن تصوير المَنصِب على أنه حاكمية، وبهذا يَشُنُّ هجومَه على أنصار الحُرِّية المتديِّنين.
— 207 —
وأما التيّار الآخَر فمُستعِدٌّ للتخلِّي عن الانتماء السّامي للإسلام، وهضمِ حقوقِ مئةِ بريءٍ بجريرة مجرمٍ واحدٍ كما هي حال التيار الأول؛ وهو وإن رفع في الظاهر شعار القومية، إلا أنه في الحقيقة عنصريُّ النزعة، يُناوِئُ الديمقراطيِّين المتديِّنين المناصرين للحُرِّية، ويناوئ سائرَ عناصر هذا الوطن الذين يشكِّلون سبعين بالمئة منه، بل يناوئ حتى الأتراكَ المساكين والحكومةَ والسِّياسةَ التي يتَّبِعُها الحزب الديمقراطي، ويقيم أُخوَّةً عنصريةً بين الأشخاص ذوي الأنانية المتفلِّتين من كلِّ عقال، فيرشوهم بهذه الأُخوَّة التي تلبِّي رغَبات نفوسهم، ويُخدِّر أحاسيسهم عما تنطوي عليه من مخاطر شديدةٍ تفوق منافعَها ألف مرة، والتي منها: تحويل الإخوة الحقيقيِّين إلى أعداء.
فمثلًا إن ثمة أربع مئة مليون أخٍ حقيقيٍّ تجمعُهم أُخوَّة الإسلام، ويتبادلون فيما بينهم عونًا معنويًّا كلَّ يومٍ بالدعاء العام الذي يردِّدون فيه: «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات» ؛ إلا أن العنصرية المذكورة آنفًا تحمل صاحبها على ترك هؤلاء الأربع مئة مليونِ أخٍ مبارك لأجل أربع مئةٍ من المتحلِّلين المتفلِّتين، ولمجرَّد منفعةٍ دنيويةٍ جزئيةٍ محدودة؛ وفي هذا عظيمُ الخطر على الوطن والحكومة والديمقراطيِّين المتديِّنين والأتراك، بل لا يفعل هذا مَن كان تركيًّا بحقٍّ، فإن التركي الأصيل لا يُقْدِم على ارتكاب خطأٍ كهذا.
إن هذين التَّيارَينِ يعملانِ على إسقاط الديمقراطيِّين المتديِّنين، بل يدفعان الآخرين لفعل الأمر نفسه، مستفيدين من كلِّ ما هو متاحٌ، وهذا أمرٌ يشهد به الواقع بلا امتراء؛ وإنه بإزاء هذا العمل الهدّام، وهاتين القوَّتَين اللتَين تُعارضانكم، وأولئك الأعداء في الداخل والخارج، ليس أمامكم سوى حلٍّ وحيدٍ هو أَوجبُ وأَلزمُ ما تواجهونهم به، ألا وهو الاعتصام بقوّةِ الحقيقة القرآنية الراسخة التي تحدَّتْ بأربعين صحابيًّا أربعين دولةً فغلَبَتْها، والتي لها في كلِّ قرنٍ أربعُ مئةِ مليون تلميذٍ على امتداد ألفٍ وأربع مئة سنة؛ أجل، إنه الاعتصامُ بقوّةِ هذه الحقيقة القرآنية، وبما تنطوي عليه من منافعِ السعادة الأبدية الدنيوية والأخروية، واتِّخاذُها نقطةَ استنادٍ لكم في مواجهتهم؛ وإلا فإن أعداءكم المتربِّصين بكم في الداخل والخارج سيجعلون من جنايةٍ واحدةٍ ترتكبونها آلافَ الجنايات، ثم يُلحِقون بها جناياتِ السابقين، فيُحمِّلون
— 208 —
جميع ذلك على عاتقكم كما حمَّلوه غيرَكم، وعندئذٍ سيبلُغ الخطر المُحدِقُ بكم وبالوطن والشعب مبلغًا لا يمكن تلافيه.
وفي مقابل ما ستقومون به من خِدمات، وما ستعملون به من الدستورَين المذكورَين، سأتوجَّه أنا وإخواني النوريُّون بالدُّعاء لكم: وفَّقكم الله في خدمتكم لدين الإسلام، وحفظكم من تلكم المخاطر.
وأما الدستور الثالث فهو هذا الحديث الشريف الذي يُرسي دستورًا من دساتير الحياة الاجتماعية في الإسلام: "المُؤمنُ للمُؤمنِ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بعضُه بعضًا".
أي: إنه لا بُدَّ لمواجهة الأعداء في الخارج من نسيان العداوات والتسانُد التامِّ في الداخل، ولقد وَعَتِ الجماعات یی حتى أشدُّها بدائيةً یی منافعَ هذا الدستور، فترى أفرادَها متى دَهَمهم عدوٌّ خارجيٌّ تناسَوا ما بينهم من عداوةٍ مع أن فيهم مَن قَتَل أبا الآخَر أو أخاه، وتساندوا لصدِّ العدوان الخارجي.
لكنَّنا وبكلِّ أسفٍ نرى في الداخل مَن استولى عليه فكرُ التحزُّبِ النابعُ من الأنانية والمراءاة والغرور والسياسة الغدّارة، فتجدُه يستمطر الرحمةَ على مَن يواليه ولو كان الشيطانَ نفسَه، ويلعن معارضيه ولو كانوا الملائكةَ؛ حتى إني قبل خمسٍ وثلاثين سنةً رأيتُ عالِمًا صالحًا اغتاب عالمًا صالحًا جليلًا يُخالف فكرَه السِّياسيَّ وانتقده لدرجة التكفير، بينما أثنى بحرارةٍ على زنديقٍ يحارب الإسلامَ لمجرَّد أنه يُوافق فِكرَه ويؤيِّده! فتركتُ السِّياسة من حينها، وفررتُ منها فراري من الشيطان.
وبينما يرتكب أحدُهم جنايةً كبرى بحقِّ شهر رمضان المبارك، والشعائرِ الإسلامية، والشعبِ المتديِّن، تجدُ معارضيه في حالةٍ من الفرح والرِّضى عما اقترف، مع أن الرِّضا بالكفر كفرٌ مثلُه، كما أنَّ الرِّضا بالضلالة والفسق والظلم ضلالةٌ وفِسقٌ وظلمٌ؛ ولقد وجدتُ أن سرَّ هذا الموقف العجيب هو أن المعارضين يريدون أن يُبرِّروا للشَّعب عامّةً جناياتِهم التي ارتكبوها، ويُظهِروا أن الجُناة الآخَرين أشدُّ كفرًا وجنايةً منهم.
إن النتائج المترتِّبة على هذا النوع من المظالم ليست وخيمةً فحَسبُ، بل إنها تدمِّر الأخلاق الاجتماعية، وتُعَدُّ بمثابة اغتيالٍ رهيبٍ لهذا الوطن والشعب وحاكمية الإسلام.
— 209 —
كنت سأكتب المزيدَ، لكنَّني أكتفي ببيان هذه النِّقاط الأساسية الثلاث لأنصار الحرية المتديِّنين.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭