— 201 —
مقالةٌ للأستاذ عيسى عبد القادر
محرِّر "صحيفة الدفاع" الصادرة ببغداد
كتب الأستاذ عيسى عبد القادر بحثًا عن طلاب رسائل النور نشَرَتْه الصحيفةُ المذكورة، وجاء فيه:
ما العلاقة بين طلاب النور بتركيا وبين جماعة الإخوان المسلمين؟ وما وجه التشابه والاختلاف بينهما؟ وهل طلاب النور بتركيا جماعةٌ تعمل لتحقيق الوحدة الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين المنتشرة في مصر والبلاد العربية؟ وهل هم منهم؟ أجيبُ عن هذا فأقول:
على الرغم من أن كُلًّا من طلاب النور والإخوان المسلمين يسعَوْن لخدمة الحقائق القرآنية والإيمانية، وتحقيق سعادة المسلمين الدنيوية والأخروية، والعمل لوحدةِ العالَم الإسلامي، إلا أن طلاب النور يختلفون عن الإخوان المسلمين في خمسِ نِقاطٍ أو ستٍّ:
الفرق الأول: أن طلاب النور لا يشتغلون بالسِّياسة، بل يَفِرُّون منها، فإن اضطرُّوا إليها جعلوها أداةً للدِّين، إظهارًا لقدسيته في مواجهة مَن جعلوا السياسة أداةً للإلحاد؛ على أنهم ليسوا تنظيمًا سياسيًّا بحالٍ من الأحوال.
أما الإخوان المسلمون فإنهم يشتغلون بالسياسة لصالح الدِّين وَفقَ ظروف بلادهم، وهم بطبيعة الحال يُشكِّلون تنظيمًا سياسيًّا.
الفرق الثاني: أنه ليس من عادة طلاب النور الاجتماع بأستاذهم، وليسوا مضطرِّين لذلك، بل لا يشعرون بالحاجة للأمر، وكذلك لا يرون ضرورةً للاجتماع معًا لتلقِّي الدروس، وإنما يرون أن كلَّ مكانٍ هو بمثابة مدرسةٍ نورية، وبمجردِ تَوفُّر رسائل النور تغدو كل رسالةٍ منها بمثابة "سعيدٍ نُورْسِيٍّ" يعلِّمهم.
— 202 —
ثم إنهم يجتهدون ما استطاعوا في نسخ الرسائل حِسبةً لوجه الله دون مقابل، ويقدِّمونها لمن يحتاجها دون مقابلٍ كذلك، (حاشية): وقد كان النشر في الأناضول استنساخًا بخطِّ اليد على هذا النحو واستمر قرابة خمس وعشرين سنةً. وذلك بُغيةَ أن يقرأها أو تُقرأ عليه، وبذلك يغدو البلد بأجمعه مدرسةً نوريةً كبرى.
أما الإخوان المسلمون فيذهبون إلى مراكزهم العامة للقاء مرشدهم وقياداتهم وأخذ الدروس والتوجيهات منهم، كما يلتقون في الفروع والشُّعَب بالشخصيات المُهِمّة التي تقوم مَقامَ المُرشِد ونُوّابِه، ويتلقَّون منهم الدروس والتوجيهات.
ومن جهةٍ أخرى يشترون المنشورات والمجلات الصادرةَ عن مركز الجماعة ويتَّخِذونها مصدرًا لمعلوماتهم.
الفرق الثالث: أن طلّاب النُّور أشبهُ ما يكونون بالطلاب الذين يدرسون بالمراسلة، ولا يَعرف بعضُهم بعضًا في أغلب الأحيان.
أما الإخوان المسلمون فهم أشبه بالذين يَسْعَون للتعارف والتواصل عن طريق المجلات التي تُعنَى بتسهيل ذلك لقرائها في مُختلِف أقطار العالم.
الفرق الرابع: ينتشر طلاب النور بكثرةٍ في معظم البلاد الإسلامية هذه الأيام، ومع أن لكلِّ بلدٍ من هذه البلاد أنظمتَها وسياساتِها الخاصةَ بها، إلا أنهم ليسوا مضطرِّين للحصول على إذنٍ من حكومات هذه البلاد للقيام باجتماعاتهم ونشاطاتهم، إذْ لا وجود للسياسة أو الحزبية في مسلكهم.
أما الإخوان المسلمون فهم لصِلَتِهم بالسِّياسة، ولكونهم تنظيمًا، ولحاجتهم لافتتاح المراكز والشُّعَب، مضطرُّون للحصول على إذنٍ وترخيصٍ من حكوماتهم خلافًا لطلاب النور، وعلى هذا الأساس فتحوا شُعَبًا كثيرةً في سورية ولبنان وفلسطين والأردن والسودان والمغرب والعراق، فضلًا عن مركزهم العام في مصر.
الفرق الخامس: أنك تجد طلابَ النور أناسًا من شتَّى طبقات المجتمع، من الرجال والنساء، ومن الصغار أبناء الثامنة والتاسعة الذين بدؤوا لتوِّهم تعلُّمَ القرآن في
— 203 —
المساجد، إلى الشيوخ الذين بلغوا الثمانين والتسعين، ومن الحَمَّال من أبناء القرى إلى النائب في البرلمان، ومن الجندي البسيط إلى الضابط الكبير؛ ومقصَد هؤلاء جميعًا على تنوُّعهم وتفاوتهم: الاهتداءُ بهدي القرآن، والتنوُّر بحقائق الإيمان، أما عملهم وشُغلهم الشاغل فهو نشر العلم والعرفان والحقائق الإيمانية، ولا يُعرَف لهم اشتغالٌ بشيءٍ سوى هذا.
ولقد ظلَّت ويلات المحاكم ومكائد الخصوم تلاحقهم ثمانيًا وعشرين سنةً، لكنها عَجَزت عن إدانتهم أو تفريق شملهم، إذْ لم يُعثَر لهم على غايةٍ سوى القيام بهذه الخدمة القدسية؛ ثم إنهم لا يجدون أنفسهم مضطرين للعمل على تكثير جمعهم أو حشد مؤيِّدين لهم، بل يقولون: «إن وظيفتنا خدمة الإيمان لا البحث عن أتباع، فمن طلبَنا وجدَنا» ؛ وهم لا يُوْلُون أهمِّيةً للكمِّية، بل يفضِّلون رجلًا واحدًا متحقِّقًا بالإخلاص على مئةٍ سواه.
أما الإخوان المسلمون فهم وإن كانوا يلتقون مع طلاب النور في حثِّ الناس على تحصيل العلوم والمعارف الإسلامية، والتمسُّك بالحقائق الإيمانية، إلا أنهم لصلتهم بالسياسة يُولُون أهمِّيةً للكمِّية وتكثير الجموع، ويبحثون عن الأنصار والأتباع.
الفرق السادس: لا يُولي طلابُ النور المتحقِّقون بالإخلاص أيّةَ أهمِّيةً للمنافع المادية، فإن كثيرًا منهم يتحلَّون بالاقتصاد والقناعة، والصبر والاستغناء عن الناس، ويتجرَّدون بدرجةٍ ما عن مكاسب الحياة الاجتماعية رغم قِلّة ذاتِ اليد، وذلك ليتفرَّغوا للخدمة القرآنية بتضحيةٍ وإخلاص، ولئلا تَشُوبَ دعوتَهم إلى الحقيقة والإخلاص شائبةٌ من مخالفة القولِ العملَ، ولئلا تكون هذه الخدمة القدسية وسيلةً لغايةٍ سوى نيل مرضاة الله تعالى.
أما الإخوان المسلمون فيشتركون مع طلاب النور في ماهية المَقصَد، إلا أنهم باعتبار ظروفهم ومحيطهم لا يمكنهم تركُ الدنيا كما يفعل طلاب النور، ولا يرون أنفسهم مضطرِّين للتحقُّق بهذه التضحية القصوى.
عيسى عبد القادر
٭٭٭