لاحقة أمير داغ
— 197 —

الدفاع الذي تلاه الأستاذ النُّورْسِيّ في محكمة إسطنبول

وقرَّرت المحكمة على إثره البراءة
نُشر في جريدة "بيوك جهاد" في "صامسون" وحُرِّكت دعوى بسببه
لقد قام أعداؤنا العاملون في الخفاء بتحريض القضاء علينا من جديد في هذا الشهر: شهر رمضان المبارك، وثمّة منظمةٌ شيوعيةٌ سِريَّةٌ لها يدٌ في الأمر.
فأولًا: في عملٍ يخالف القانون كلِّيًّا أرسَلوا إليَّ مجموعةً مسلَّحةً مؤلَّفةً من رقيبٍ أول وثلاثة عناصر من الشرطة العسكرية، وذلك حين كنتُ مُختلِيًا بنفسي بين الحقول والجبال، فأخذوني بالقوة إلى المخفر بدعوى أنني لا أرتدي القبعة الإفرنجية!!
وأنا أقول لكلِّ المحاكم التي تَنشُد العدالة: لقد كان الواجب توجيهُ تهمةِ مخالفةِ القانون حقًّا لمن خرجوا على قوانين الإسلام من خمسة وجوه، ومارسوا الظلمَ باسم القانون من خمسة وجوه، وهم الذين ما فَتِئوا منذ سنتين يذيقونني العذاب النفسي متذرِّعين بحججٍ باطلة وتلاعباتٍ قانونيةٍ مُشينة!! ألا لا جَرَم أن لهم في محكمة الجزاء الكبرى عذابًا يَلقَونه.
أجل، كيف يوجَّه الاتِّهام لرجلٍ ظلَّ منزويًا خمسًا وثلاثين سنة، لم يخالط فيها الناسَ في الأسواق ولا المجتمعات، فيقال له: إنك لا ترتدي القبعة الإفرنجية؟! أيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح بهذا؟!
لقد مضى على هذا الرجل ثمانٍ وعشرون سنةً قضاها في خمس ولاياتٍ، وأُحيل فيها إلى خمس محاكم، فما تدخَّلَتْ إدارةٌ ولا شرطةٌ من هذه الولايات، ولا محكمةٌ من هذه المحاكم، بخصوص ما يضع على رأسه، وقد مَثلَ مؤخَّرًا في محكمة إسطنبول العادلة، وأمام ما يزيد على مئة عنصرٍ من عناصر الشرطة فيها؛ وأقام في هذه المدينة وتجوَّل في أماكن شتَّى منها شهرين اثنين، فما تعرض له شرطيٌّ واحدٌ بهذا الخصوص!!
وفضلًا عن أن محكمة التمييز قَضَتْ بأن القبَّعات الصوفيةَ غيرُ محظورة، فإنه لا يُجبَر على ارتداء القبعة الإفرنجية أيٌّ من النساء أو أفراد الجيش أو الموظَّفين أو
— 198 —
سواهم ممن يَحسِرون عن رؤوسهم، ولا مصلحةَ تترتب على ارتدائها، ولا مساءلةَ لمن يرتدي قبعةً صوفية!!
ثم إن هذا الرجل ليس له وظيفةٌ رسميةٌ حتى يكون له لباسٌ رسميّ، بل هو مُنزوٍ لا يخالط الناس لا سيما في شهر رمضان المبارك، إذِ امتنع عن اللقاء بأخصِّ أصحابه لئلا يستذكرَ الدنيا أو يَشغَل روحَه بشيءٍ من هذه القضايا المزعجة التي تُعدُّ مخالِفةً للقانون، حتى إنه بالرَّغم من شدة مرضه لم يتناول دواءً ولم يستدعِ طبيبًا لئلا يشغل قلبَه وروحَه بشؤون بدنه!!
لكنَّه معَ هذا كلِّه يُطالَب بارتداء القبعة الإفرنجية تشبُّهًا بالرهبانِ الأجانب، ويُهَدَّد بالإحالة إلى القضاء إن هو خالَف!! فما أَشنَعَه من تصرُّفٍ يشمئزُّ منه مَن له ذرَّةُ ضمير!!
ومما يتَّصل بهذا الموضوع أن الشخص الذي طالبه بارتداء القبعة قال له: إنما أنا عبدٌ مأمور. فهل يجوز أصلًا أن يؤمَر بامتثال قانونٍ جبريٍّ تعسفيٍّ حتى يقول القائل: إنما أنا عبدٌ مأمور؟!
كلا، فكما أن القرآن يدعو لطاعة أولي الأمر في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فإنه يدعو كذلك لعدم التشبُّه باليهود والنصارى؛ فهو يأمر بطاعة أولي الأمر شريطةَ ألّا تُنافيَ طاعةَ الله ورسوله (ص)، فعندئذٍ يمكن للمرء أن يقول: أنا عبدٌ مأمور، والحال أن قضيتنا هذه فيها وجوهٌ لا تُحصى من المخالفة للقانون والمصادَمة لأعراف الإسلام وشرائعه، والانتهاك لقوانينه القدسية لصالح أمرٍ تعسُّفيّ، فهي تَنتهِك تعاليمَ الإسلام الآمرةَ بالرأفة بالمريض والعطف على الغريب وعدم التضييق على مَن يدعو إلى القرآن والإيمان في سبيل الله، وتَعمِدُ فوق هذا إلى رجلٍ منزوٍ قد ترك الدنيا فتأمره بارتداء قبعةٍ على شاكلة الرهبان الأجانب!!
وإن القيام بمثل هذه الإجراءات مع شخصٍ غريبٍ فقيرٍ مثلي، قد طعن في السِّنِّ، واشتدَّ به المرض، وبلغ بابَ القبر، وانزوى وترك الدنيا منذ خمسٍ وثلاثين سنةً لئلا يخالف السنة النبوية السَّنيَّة.. لا ريب أن هذا النوع من المعاملة إنما يُدار في
— 199 —
كواليس الشُّيوعية، ويوجَّه لضرب الوطن والشعب والإسلام والدِّين خدمةً لمصالح الفوضوية الهدَّامة، ويستهدف في الوقت نفسه الحزب الديمقراطي والنُّوّاب المتديِّنين الذين حملوا على عاتقهم مُهِمّة خدمة الدين والوطن، والتصدِّي لمخططات التخريب الخارجية؛ وإنني في دفاعي هذا أَلفِتُ انتباههم لئلا يتركوني وحيدًا في ميدان التصدِّي لهذا المخطَّط الخبيث.
حاشية:
إن رجلًا نذر نفسَه للدِّفاع عن الإسلام، ووهب حياته لخدمة القرآن، وحافظ على عِزّة الإسلام فلم يقف للقائد الروسي الذي تعمَّد المرورَ من أمامه عِدّةَ مَرّات، ولم يرضخ لتهديده له بالإعدام؛ وجابَهَ معتزًّا بإسلامه قائدَ الجيش الإنكليزي الذي احتلَّ إسطنبول ومَن مالَأَه من المشايخ الذين أفتَوْا له فلم يكترث لتهديده بالقتل، بل أعلنها مدوِّيةً في المنشورات أن ابصُقُوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمةِ عديمي الحياءِ؛ وخاطب "مصطفى كمال" وَسْط حَشْدٍ من خمسين نائبًا غير مبالٍ بحدَّته ونَزَقِه قائلًا: "إن تارك الصلاة خائن"؛ وأبى أن يُداهِن أو يتملَّق رجالَ المحكمة العسكرية، بل ردَّ على استجواباتهم المتوعِّدة بالقول: "أنا على استعدادٍ للتضحية بروحي فداءً لمسألةٍ واحدةٍ من مسائل الشريعة"؛ واختار العزلة ثمانيةً وعشرين عامًا لئلا يتشبَّه بالكفرة..
إن رجلًا هذه حالُه لو كُلِّف بأمرٍ غيرِ قانونِيٍّ، ولا مصلحةَ فيه فقيل له: "عليك أن تتشبَّه برُهبان اليهود والنصارى، وترتديَ القُبَّعة الإفرنجية مثلَهم، وتُخالِفَ إجماع علماء المسلمين، وإلّا نزل بك العقاب"، فلا جرم أن الذي ضحَّى بكلِّ شيءٍ فِداءً للحقيقة القرآنية سيَرفُض ارتداءَ هذه القبَّعة حتى لو كلَّفه الأمرُ التضحيةَ لا بروحه فحسب، بل بمئة روحٍ له لو وُجِدت، وحتى لو كان التهديد ليس بالسَّجن والتعذيب فحَسْبُ، بل بالتقطيع إِرَبًا والتعذيب حرقًا؛ وحَسْبُكم سيرةُ الرجل شاهدًا.
فيا ترى ما السِّرُّ الذي يجعل هذا الرجلَ الذي يتحلَّى بمثل هذه التضحية والقوّة المعنوية الهائلة، يتحمَّلُ أشدَّ الظلم والطغيان الذي يَلقاه من أعداء الدين والوطن العاملين في الخفاء؟ ولماذا لا يقابِلُ السيِّئة بمثلها ولا يردُّ عليها بسلوكٍ عمليٍّ ملموس؟
— 200 —
دعوني أُعلِنْها لكم ولكلِّ مَن له ضميرٌ ووجدان: إن سرَّ ذلك هو مَخافتُه من إلحاق الضرر بتسعين بالمئة من الأبرياء بجريرة عشرةٍ بالمئة من الزنادقة الكفرة، والتزامُه بالحفاظ على الأمن والاستقرار في هذا البلد، وإقامتُه الرقيبَ المعنويَّ في قلب كلِّ فردٍ من خلال دروس رسائل النور، فهذا ما علَّمه إياه القرآنُ الحكيم؛ وإلا فإن بمقدوره الانتقامَ في يومٍ واحدٍ من أعدائه الذين ظلموه طَوالَ ثمانيةٍ وعشرين عامًا؛ لكنه حفاظًا على الأمن والاستقرار وحقوق الأبرياء لا ينتقم ممن طعنوا في شخصه ونالوا من كرامته وشرفه، بل يقول: "إنني لأجل الأمة الإسلامية أُضحِّي لا بحياتي الدنيوية فحسب، بل بحياتي الأُخروية إن لزم الأمر".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭