— 194 —
حقيقةٌ أُخطرت على القلب تتعلَّق بحياتنا الاجتماعية
يضمُّ هذا الوطن اليومَ أربعةَ أحزاب: حزب الشعب، الحزب الديمقراطي، الحزب القوميّ، حزب الاتِّحاد الإسلاميّ.
أما حزب الاتِّحاد الإسلامي: فبإمكانه أن يتولَّى مقاليدَ حُكم البلاد، شريطةَ أن يكون ستُّون أو سبعون بالمئة من أعضائه متديِّنين بحقٍّ، كيلا يسعى لجعل الدِّين أداةً للسِّياسة، بل ليُسخِّر السِّياسة في خدمة الدِّين؛ غيرَ أن ما أُصيبت به التربيةُ الإسلامية منذ زمنٍ بعيدٍ من تصدُّعٍ ووهن، يُحتِّم عليه التنحِّيَ وعدم التورُّط في تولِّي الحُكم اليومَ، لأنه سيُضطَرُّ إلى اللُّجوء لِإخضاعِ الدِّين للسِّياسة، واستغلاله في مواجهة جرائم السِّياسة وشرورِها في الوقت الراهن.
وأما حزب الشعب: فهو المُتغلِّب نوعًا ما على الديمقراطيِّين بما قدَّمه لبعض المسؤولين یی تحت سِتارِ القانون یی من رِشًا عامّة مُعجِبة مُمتِعة، رغم كلِّ ما اقترفه من جرائمَ طوالَ ثمان وعشرين سنةً، وفضلًا عمّا يتحَمَّلُه من أوزارِ جنايات الآخرين وسيِّئات الاتِّحاديِّين والماسونيِّين منهم؛ فبنقص العبودية تَقوَى الأنانيّة، ويتكاثر صغارُ النَّماردة.
إنه في هذا الزمن یی زمن الأنانية والمنفعة الشخصية یی أضحَتِ الوظيفة تُضفي على بعض المسؤولين رُتبةَ الحاكمية المحبَّبة إلى النفوس، وتُكسِبُهم روحَ التسلُّط والسِّيادة، علمًا أنَّ حقيقتها مجرَّدُ خدمة؛ لذا شعرتُ من طبيعة معاملتهم لي وتصرُّفاتهم تجاهي أنهم متغلِّبون معنويًّا على الديمقراطيِّين بجهة مّا، رغمَ كل الجرائم المُريعة، وما تنشره الصُّحفُ غير المُوالية لهم.
وأحد دساتير الإسلام الأساسية: ما ورد في الحديث الشريف: «سيِّد القوم خادمُهم» ، أي: أنَّ المسؤولية والآمريّة إنَّما تعني خدمةَ الشعب لا الترؤُّسَ عليه، فلا بدَّ للديمقراطية وحرِّية الاعتقاد من الارتكاز إلى هذا القانون الأساسي للإسلام، لأن
— 195 —
القوة إن لم تكن ماثلةً في القانون فإنها تنتقل إلى الأشخاص، فتُمارسُ استبدادًا مُطلَقًا وتحكُّمًا مزاجيًّا.
وأما الحزب القوميّ: فما دامت القومية التركية قد امتزجت في القومية الإسلامية التي هي أساسُ الوحدة الإسلامية، فإن هذا الحزب إذًا يحمل شعاراتِ الديمقراطيِّين ومفاهيمَهم، وسيُضطرُّ للالتحاق بركب المتديِّنين منهم.
بَيدَ أنَّ داء العِرقية والعنصرية المُعبَّیرَ عنه بالعِلّة الإفرنجية، قد بثَّته أوروبّا بيننا وغذَّته بهدف تمزيق العالم الإسلامي؛ وإن هذا الداء يمنح حالةً رُوحية مُمتِعة جاذِبة، لدرجة أن كلَّ أُمّة تُبدي تشوُّفًا ولهفة بشكل كلِّيٍّ أو جزئيٍّ لتحصيل هذه المتعة، بالرغم من أضرارها ومخاطرها الهائلة.
فلو حصدَ هذا الحزب أغلبيةَ الأصوات بسبب ضعف التربية الإسلامية واستيلاء التربية المدنية، واعتلى سُدّةَ الحُكم، فستُضطرُّ حينها الفئات الأخرى غير التركية یی والتي تشكِّل سبعين بالمئة من الشعب یی للوقوف ضدَّ الحاكمية الإسلامية، وضدَّ الأتراك الحقيقيِّين البالغين بالكاد ثلاثين بالمئة، ولا يشكِّلون الأكثرية.
ذلك أنَّ أحدَ دساتير الإسلام الأساسية يتمثَّل في قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، أي: أن أحدًا لا يؤاخَذ ولا يُحاسبُ بجريرةِ غيره، بينما في النزعة العرقية العنصرية يجدُ المرءُ نفسَه على حقٍّ في قتل شقيقِ الجاني، بل بقتل أقاربه، بل حتى أفرادِ عشيرته بثأر جنايته؛ وحينها لن تقوم للعدالة الحقيقية قائمة، بل سيُفتَح الباب واسعًا لارتكابِ مظالمَ شنيعة؛ في حين يقرِّر الدستور الإسلاميُّ أنه "لا يُضحَّى بحق بريءٍ واحدٍ لأجل مئةِ جانٍ"، وإنها لَقضيةٌ وطنية مُهِمّة، وتشكِّلُ خطرًا عظيمًا على السِّيادة الإسلامية.
فما دامت هذه هي الحقيقة، فيا أيُّها الديمقراطيُّون المتديِّنون الموقِّرون للدِّين، إنكم مضطرُّون لجعل الحقائق الإسلامية ركيزةً لكم، إذ هي أكثرُ جاذبيّة على الصعيد المادِّيّ والمعنويّ حيالَ ركائز هذين الحزبين القويّة المُغرية الفاتنة.. وبخلاف ذلك فإني أخشى أن تُحمَّلوا تبِعةَ الجنايات التي ارتُكِبت في الماضي حتى اليوم ولم تقترفها
— 196 —
أيديكم، مثلَما حُمِّلَها الحزبُ القديم أيضًا، وعندئذٍ سيستغلُّ حزبُ الشعب العُنصرية، ويتغلَّبُ عليكم تغلُّبًا كاسحًا.
لقد ساورني هذا الشعور المُقلِق، وبادرتُ لعرضه باسم الإسلام.
حاشية: بخصوص القضية التيجانية التي وقعت نتيجةً لقوانين العهد السابق التعسُّفية التي لا مُبرِّر لها، ونتيجةً لسوء تنفيذها كذلك، بل لعلها وقعت بتحريضٍ من رجال ذلك العهد، فإني أرى أن ثمّة حلًّا وحيدًا يُجنِّب الديمقراطيِّين المتديِّنين مغبّةَ تحمُّل أوزار هذه القضية وما يترتَّب عليها من عقوباتٍ شديدة، ليحافظوا على سُمعتهم ومكانتهم في نظر العالَم الإسلامي، وهو حلٌّ يُتمِّمُ ما بدؤوا به من نشر الأذان المُحمَّدي الذي ضاعف قُوَّتهم عشَرةَ أضعاف، وذلك بأن يُعيدوا لمسجد "أيا صوفيا" مكانتَه القدسية التي تمتَّع بها على مدى خمسة قرون، ويُعلنوا رفعَ الحظر رسميًّا عن "رسائل النور" التي كان لها أثرٌ طيِّبٌ في العالم الإسلامي، والتي أكسبَتْ أبناء هذا الوطن حُسنَ توجُّه الشُّعوب المُسلمة نحوَهم، ولم تقف فيها المحاكمُ طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنةً على أيِّ محتوًى خطيرٍ، وقضَتْ ببراءتها خمسُ محاكم؛ فبهذا يتجنَّب الديمقراطيُّون التَّبِعاتِ السيِّئةَ لهذه القضية، وأعتقد أنهم متى فعلوا ذلك فإنهم سيحظَون بتوجُّه العالَم الإسلامي من جهة، وسيعجز القوم عن تحميلهم أوزارَ الآخرين من جهةٍ أخرى.
ورغم أني تركت السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، إلا أني التفتُّ إليها لمدة ساعتين، وكتبتُ هذا الكلامَ مراعاةً لخواطر الديمقراطيِّين المتديِّنين، خصوصًا منهم "عدنان مَنْدَرِس".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
وطلاب النور الذين شهدوا على هذه الحقيقة يقينًا وصدَّقوها:
محمد چالشقان، مصطفى أجت، حمزة، صادق، حليم، رشيد، أحمد خسرو، صونغُر، طاهري، نوري.. وغيرهم.
حاشية: يقول أستاذنا: إن هذه الحقيقة السياسية والاجتماعية قد أُخطرت بشكل مُجمَل، ويمكنكم أن تستبدلوا الكلماتِ الضارّةَ وغيرَ اللازمة، وأن تُرسلوها إلى المدن المُهِمّة بما ترونه مناسبًا، شريطةَ ألّا تُحدِثَ تأثيرًا سلبيًّا.
٭٭٭