لاحقة أمير داغ
— 60 —
أما مسألة اللِّحية فهي سُنَّة، ولا تختص بالعلماء والمشايخ؛ ولقد نشأتُ منذ الصِّغَر بين أناسٍ من هذه الأمة تسعون بالمئة منهم حليقو اللحى، فلم يَسبق أن أطلقتُ لحيتي؛ ولقد حصل خلال الهجمات الرسمية عليَّ منذ عشرين سنةً أنْ أجبروا بعضَ أصحابي على حلقِ لحاهم، فظهر بذلك أن عدم إطلاقي اللحيةَ كان عنايةً إلٰهية، إذْ لو كانت لي لحيةٌ فحُلِقَتْ لَمُتُّ وما تحمَّلت، فأصابَ رسائلَ النور من ذلك ضررٌ كبير.
ولقد قال بعض العلماء: "لا يجوز حلقُ اللِّحية"، ومرادهم أنَّ حَلْقَها بعد إطلاقها حرام، وإلا فإن مَن لم يُطلِق لحيتَه أصلًا إنما ترَكَ سُنَّة.
على أننا في مقابل ترْكِ هذه السُّنة قضينا عشرين سنةً مِلؤها العسفُ والأذى فيما يشبه السجن الانفرادي، وكان ذلك بإرشادٍ من رسائل النور، لاجتنابِ كبائرَ وآثامٍ كثيرةٍ مروِّعةٍ في هذا الزمان، فعسى أن تكون هذه كفَّارةً لتلك.
ثم إنني أُعلن إعلانًا قاطعًا أن رسائل النور إنما هي بضاعةُ القرآن، وأنَّى لي أن أكون صاحبَها فتسريَ إليها عيوبي؟! أنا لست سوى خادمٍ لذلك النور، نعم، خادمٌ ذو عيوبٍ ونقائص؛ ولستُ سوى دَلَّالٍ في محلِّ المجوهرات والألماس ذاك؛ ولا يمكن لحالتي المضطربة المشوَّشةِ أن تَسريَ إليها أو تَمَسَّها.
وإن الدرس الذي علَّمتْنا إياه رسائلُ النور هو حقيقةُ الإخلاص، ورؤيةُ المرءِ نفسَه مقصِّرًا على الدوام، وتركُ الأنانية، وعدمُ الرياء.
ونحن لا نَعرِض لأهل الإيمان أنفسَنا، بل نَعرِض لهم الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور؛ ونحن ممتنُّون لكلِّ مَن يُرينا عيوبَنا ويُخبِرنا بها شريطةَ أن تكون حقيقيةً، ونقول له: جزاك الله عنا خيرًا؛ فكما نَمْتَنُّ لمن وجدَ على جَنبنا عقربًا فطرَحَها عنا قبل أن تلدغنا، فإننا كذلك نُقِرُّ بعيوبنا ونَمْتَنُّ لمن يُرينا إياها، على ألَّا يكون ذلك منه ضغينةً أو عِنادًا أو عونًا للبدعة والضلالة.
٭٭٭