لاحقة أمير داغ
— 188 —
باسمه سبحانه
إلى رئيس المحكمة..
أرجو أن تُرْعُوا سمعًا لما سأسرده بإيجازٍ شديدٍ من ظلمٍ طويلِ الأمد تعرَّضتُ له خلال حياتي..
إن من أسباب ما عانيتُه خلال ثمانٍ وعشرين سنةً من مراقبة وسجنٍ وإهانةٍ وإيذاء مُنقطِع النظير ما يلي:
الاتِّهام الأول: يعتبرونني معارضًا للنظام؛ وأقول ردًّا على هذا: معلومٌ أن لكلِّ حكومةٍ معارضين، وأنه لا يُحاسَب أحدٌ على فكره ومنهجه الذي يتبنّاه بقلبه وضميره ما دام لا يَمَسُّ الأمنَ والاستقرار.
فها هم الإنكليز الذين عُرِفوا بتعصُّبهم لدينهم وسطوتهم في حُكمهم، يعيش أكثرُ من مئةِ مليونِ مسلمٍ تحت حُكمهم منذ مئة عام، ويرفضون نظامَ حُكمهم الكافر، ويردُّونه بمقتضى القرآن، ومع هذا لا تتعرَّضُ محاكم الإنكليز لهم بشيءٍ في هذا الخصوص.
وها هم اليهود والنصارى الذين عاشوا منذ زمنٍ بعيدٍ بين هذا الشعب وفي ظلِّ هذه الحكومة الإسلامية، وكانوا معارضين لدِين هذا الشعب، مُضادِّين لنظام حُكمه القدسي، ومع هذا لم تتعرَّض المحاكم لهم يومًا بهذا الشأن، ولم تمسَّهم قوانينُها بشيء.
وفي أيام خلافة عمر بن الخطاب حَدَث أن تحاكم هو ورجلٌ نصرانيٌّ من عامّة الناس، ومع أن الرجل كان معارِضًا لنظام حُكم المسلمين المقدَّس ودينِهم وقوانينهم، إلا أن المحكمة لم تلتفت إلى شيءٍ من ذلك، مما يبيِّن بوضوحٍ أن المحكمة لا تخضع لأيِّ تيار، ولا تنحاز لأيَّة جهة، وهو ما جعل خليفةَ الأرض يتحاكم مع كافر بسيط من عامّة الناس.
وإنني استنادًا إلى مئاتِ الآيات القرآنية عارضتُ نظامًا مؤقَّتًا ينتمي إلى الجانب الفاسد من المدنية، فأضحى أداةً لمُمارسة أشدِّ أنواع الظلم بحقِّ المُتديِّنين خلفَ سِتار
— 189 —
الحُرِّية في الجمهورية، وباسم الشيوعية، وعلى حساب الفوضوية؛ إن نظامًا كهذا لا أُعارِضه وحدي فحَسْبُ، بل يُعارضه جميع أهل الوِجدان، وهذه المعارضة لا تُعدُّ جرمًا لدى أية حكومة.
الاتِّهام الثاني: احتمالُ الإخلال بالأمن وإمكانية إفساد النظام؛ وقد تعرَّضتُ نتيجةَ ذلك لشتَّى صنوف الظلمِ والأذى على مدى ثلاثين عامًا.
ولقد أثبَتَتْ تقاريرُ المحكمة وتحقيقاتُها أنَّه لم تُسجَّل لدى ستِّ ولاياتٍ وستِّ محاكمَ مَعْنِيّةٍ بقضية النوريِّين أيةُ مادّة تتعلَّق بالإخلال بالأمن، رغم وجود خمس مئة ألف فدائيٍّ من تلامذةِ النور، ورغم تعرُّضِنا لمُختلِف أنواع الإهانات الجائرة على مدار ثمانٍ وعشرين سنة؛ وهذا يدلُّ على حقيقة أنَّ تلامذةَ النور هم حُماةُ الأمن والاستقرار، وأنهم يُحيُون بدروس الإيمان لدى كلِّ أحدٍ رقيبًا من نفسه، حفاظًا على الأمن والاستقرار، كما أقرَّت بذلك الشُّرطة المُنصِفة في ثلاث ولايات.
الاتِّهام الثالث: أنني أستغلُّ الدِّينَ لمكاسبَ سياسيّة، وقد نقضتُ هذه الدعوى بالبراهين القطعية في مقالتي المنشورة في العدد (١١٦) من جريدة "سبيل الرشاد" تحت عنوان: "الحقيقة وحدَها هي التي تتكلَّم"، وفيما يلي خُلاصتُها الموجَزة:
إنَّ مِن الظلم والإجحاف البالغِ غايةَ الشَّناعة والفداحة، والبعيدِ عن الحقِّ والإنصاف بُعدَ الأرض عن السماء، أن يُؤتَى لرجلٍ تشهد سنواتُ عمره بأنه ضحَّى بدنياه یی بل بآخرته الشخصية إن لزم الأمر یی فداءً للدِّين، وترَكَ السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، ولم تَعثُر المحاكم على أيِّ دليلٍ يُدينه بهذا الصدد رغم تدقيقاتها وتحرِّياتها، وقد تخطَّى عتبةَ الثمانين من عمره، وبلغ باب القبر، ولم يملك شيئًا من متاع الدنيا ولم يولِه أهمِّيةً.. فيقالَ في حقِّه بعد هذا كلِّه: إنه يتَّخِذُ الدِّين أداةً للسياسة!!
وفضلًا عن افترائهم هذا، فإنهم يزعمون وجودَ شُبهة الإخلال بالأمن والاستقرار لديه! والحال أن درس الحقيقة الذي تلقَّاه من القرآن الحكيم، وعلَّمه طلابَه هو: أنه لو وُجِد في بيتٍ أو مركبٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ وعشرةُ جناةٍ، فإن العدالة القرآنية تمنع
— 190 —
تدمير ذلك البيت وإغراقَ ذلك المركب، صونًا لحقِّ ذلك البريء من الضرر، لذا كان من الظلم الفادح، والخيانة الكبرى، والوحشيةِ البالغة، تدميرُ بيتٍ أو إغراقُ مركب فيه تسعون بريئًا ومجرمٌ واحد.
ولأن العدالةَ الإلٰهيةَ والحقيقةَ القرآنيةَ منَعَت بشِدّة تعريضَ حياةِ تسعين بالمئة من الناس الأبرياء للخطر والضرر، بجريرةِ عشرةٍ بالمئةِ من الجُناةِ أخلُّوا بالأمن والاستقرار، نرى أنفسَنا مُكلَّفين شرعًا بالحفاظ على الأمن والاستقرار بكلِّ قُوَّتنا، عملًا بهذا الدرس القرآني.
ومن هنا، فإنَّ أعداءنا العاملين في الخفاء، والذين اتَّهمونا بهذه الاتِّهامات الثلاثة أو الأربعة الباطلة، إما أنهم يريدون جعلَ السِّياسة أداةً للإلحاد، أو أنهم يعملون ما بوُسعِهم یی بعلمٍ أو بجهلٍ یی لتمكين الفوضوية من هذا البلد المبارك تحت سِتار الشيوعية؛ فإن المسلم إن خرج عن دائرة الإسلام أصبح مُرتدًّا فوضويًّا، وصار كالسُّمِّ للحياة الاجتماعية، إذ الفوضوية لا تَعرِف الحقوق، بل تُحيل السجايا الإنسانيةَ إلى طِباعٍ حَيَوانيةٍ كالتي لدى الحيوانات المتوحِّشة، وفي القرآن الحكيم ما يُشير إلى أن جماعة "يأجوج ومأجوج" التي ستَظهَر في آخر الزمان هم جماعةٌ فوضويّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭