لاحقة أمير داغ
— 185 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أولًا: لقد تحقَّق قطعًا بأماراتٍ كثيرةٍ وحوادثَ عديدةٍ أن ثمّةَ مُخطَّطاتٍ كثيرةً لدى أعداء النور وطلابِه لحمل بعض خواصِّ طلاب النور على التخلِّي عن الخدمة النُّورية، أو صرفِهم عنها من خلال استغلال جوانبِ ضعفهم؛ ونُبيِّن لكم أنموذجين منها ليكونا موضعَ عِبرة:
المثال الأول: يُحاول بعضهم لفتَ أنظار عدد من خواصِّ إخواننا ذوي الصلة الوثيقة بالأنوار، وصرفَ أفكارهم واهتماماتهم عن الخدمة الإيمانية باتِّجاهٍ آخَر، كإلهائهم بمشاربَ ذوقية رُوحانية، مثل التحاوُر مع الجنِّ، والتواصل مع بعض كبار الأولياء، والتحدُّث إلى الأنبياء، تحت مُسمَّى التواصل مع الأموات واستحضار الأرواح، ممّا يُعرَفُ قديمًا بی"الكِهانة"، ويُطلَق عليها اليوم اسم: "العِرافة".
والواقع أن هذا الأمر يعود على أهل الإيمان بأضرار بالغة، لأن منبعه فلسفيٌّ ومصدره أجنبيّ؛ فهو مظِنةُ سُوءِ الاستخدام بشدّة، وإن كانت فيه حقيقة واحدة فإنها تختلطُ بعشَرة أكاذيب، إذ ليس فيه أيُّ معيارٍ أو مقياس للتمييز بين الصواب والخطأ؛ لذا من المحتمل أن تقوم الأرواح الخبيثةُ وكذا الجنُّ الذين يُعاونون الشيطان بإلحاق الضرر في قلب المُنشغِل به وكذا بالإسلام، لأن فيه تنبُّؤات تُنافي حقائقَ الإسلام وتُعارِضُ عقيدتَه العامة، رغم مزاولته تحت مُسمَّى "الأمور المعنوية"، فمن المُمكِن لأرباب تلك الأرواح الخبيثة أن يخدعوا الآخرين، فيُوحوا إليهم أنهم أرواحٌ طيبة، بل ربما أطلقوا على أنفسهم أسماءَ كبارِ الأولياء، ونطقوا بكلماتٍ مخالفةٍ لأُسُسِ الإسلام بهدف إلحاق الضرر به، فيغيِّرون بصنيعهم الحقائقَ، ويخدعون السُّذَّج خداعًا تامًّا.
كمثَلِ الشمسِ المُشاهَدةِ بضيائها وحرارتها وصُورتها في قطعة زجاج صغيرة، فلو قام تِمثالُ الشمس الصغيرُ المُتجلِّي في تلك الزجاجة الصغيرة وتحدَّث باسمه
— 186 —
قائلًا: "إنَّ ضيائي يُحيط بالعالم كلِّه، وحرارتي تسخِّن كلَّ شيء، أنا أكبر من الكرة الأرضية مِليونَ مرّة"، كم يكونُ كلامُه مُجافيًا للحقيقة؟! ومثلُه تمامًا النبيّ، فإذ هو في مقامه الحقيقي كالشمس، لا يمكن لتظاهُرِ إحدى جَلَواتِه أن يتحدَّث باسم تلك الحقيقة بحسب استعداد "الكهانة" أو "العِرافة" التي هي في حكم قطعة الزجاج؛ فإن تكلَّم كان مخالفًا للحقيقة بمئة درجة، إذ إن الجلوة الجزئية للكاهن أو العرّاف في ذلك المظهر لا يُمكِن بأيِّ شكلٍ أن تُقاسَ بالماهية السامية لمَظهَر الوحي الذي هو كالشَّمس المعنوية.
فلا يمكنُ معنًى لقطعةِ زجاجٍ في أسفل سافلين أن تجلب إليها حقيقةَ تلك الشمس المعنوية المتمركزة في أعلى علِّيِّين، بل إنَّ محاولة جَلبِها ضربٌ من قلّة الاحترام وسوء الأدب؛ لكن يمكن التقرُّب من مقامها بالسَّير والسلوك والترقِّي كما فعل جلال الدين السيوطي وبعض الأولياء، فيغدو مظهرًا لصحبة تلك الشمس المعنوية.
علمًا أن مثل هذا الترقي الذي يُمثِّل مصاحبةً لولاية النبي (ص) إنما يتمُّ بحسب درجاتهم واستعداداتهم، كما أُثبِت في رسائل النور؛ ولكن على قدر سُموِّ حقيقة النبوة ورفعتِها على الولاية، فإن التواصل والمجالسة والصحبة المتحقِّقة بواسطة استحضار الأرواح أو الترقِّي الروحي، لا تبلغُ بحالٍ حقيقةَ التواصل مع النبي الحقيقيّ، فمن ذلك لا يصلُحُ أن يكون مصدرًا لأحكام شرعية جديدة.
أجل؛ إن عمليّةَ استحضار الأرواح المُتأتِّيةَ من شدّة الإيغال في تعاطي الفلسفة ليست من الدين، بل هي تصرُّفاتٌ تُخالفُ الحقيقةَ وتُنافي الأدب، لأن جلبَ من هم في أعلى عليِّين وفي مقامات سامية إلى مائدته حيث اللهو والكذب أو إلى مرتعه في أسفل سافلين، يُعدُّ إهانةً وسوءَ أدبٍ وقلّةَ احترام، كمثل دعوة سُلطانٍ واستقباله في كوخٍ صغير! أما عينُ الحقيقة والأدب والاحترام والاستفادة فتتجلَّى في الرُّقيّ الروحاني بالسَّير والسُّلوك، على غرار ما قام به أمثالُ جلال الدين السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني وغيرهم، وفي بلوغ مراتبَ قريبةٍ من أولئك الأشخاص العظماء، والاستفادة منهم.
— 187 —
إنَّ الرؤيا الصادقة لا تتمثَّلُ فيها الشياطينُ والأرواح الخبيثة بصورة نبيّ، لكن في استحضار الأرواح يمكنُ للأرواح الخبيثة أن تُطلق على نفسها لفظيًّا اسمَ النبي، وتتحدَّث بما يُخالف السُّنة السَّنية والأحكام الشرعية، فإن كان كلامها مُخالِفًا للشريعة والسُّنة، فهو دليلٌ قاطعٌ أن المتحدِّث ليس من الأرواح الطيِّبة، وليس بالجنِّ المؤمن المسلم، بل هو رُوحٌ خبيثةٌ تقوم بالتقليد على هذا النحو.
ثانيًا: إن طلاب النور ليسوا بحاجة اليومَ إلى دراسة مثل هذه المسائل، إذ إن رسائل النور وضَّحت حقيقةَ كلِّ شيء، ولم تَدَع حاجةً لإيضاحاتٍ أخرى، فهي تفي بحاجاتهم؛ لكن يجب على غير طلاب النُّور عدمُ الإصغاء إلى مثل هذه التعليمات والتلقينات المُخالفة لأُسُسِ الأحكام الشرعية والسُّنة السَّنية، وإلا وقعوا في خطأ جسيم.
تنبيه:
إن النقد الحادَّ الوارد في هذه الرسالة ضدَّ قضيّة استحضار الأرواح، مُوجَّهٌ نحوَ المشرب الصادر من الفنِّ والفلسفة، والمسمَّى بتحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي والتقمُّص المعنويّ والتنبُّؤ المستقبلي، وليس ضدَّ تصوُّفِ بعض الصوفية النابعِ من الإسلام وأرباب الطريقة والتصوُّف مما يُشبه إلى حدٍّ ما التخاطُبَ مع الأرواح، والمُساءَ استخدامُه نتيجةَ خوضِ غير المؤهَّلين فيه على قلَّتهم، ورغم ذلك يُمكن أن يتسبَّب هؤلاء بأضرارٍ للآخرين، لكنها على غيرِ سبيل الخداع كحال أولئك، ولا تحملُ نوايا الإضرار بالإسلام؛ وفضلًا عن ذلك فإنَّ المشرب الواردَ من الأجانب إنما هو ضدُّ الطريقة والإسلام، ويسعى إلى تقويض مسالك الصوفية والتهوين من شأنها حتى تصير أمرًا اعتياديًّا.. فليَحذَر ضعفاءُ المتصوِّفة ممَّن لا يُقيم حقَّ السُّنة السَّنية من التشبُّه بهؤلاء.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭