لاحقة أمير داغ
— 179 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
كتب إليَّ أحدُهم رسالةً طويلةً بالحرف اللاتيني المستحدَث، ولم يُعرِّف بنفسه، يُشكِّك فيها بثلاث نقاط، ويفسِّرها تفسيرًا خطأً بما يُشبِهُ الاعتراض، كأنه يُريدُ أن ينبِّهنا؛ ولِأن مشربنا بعيدٌ عن النِّقاش والجَدَل، ولِأنَّنا نُسَرُّ إن أبدى أحدٌ لنا عُيُوبَنا بحقٍّ، فمن ذلك أحببتُ أن أُظهِر حقائقَ ثلاثة أُسُس وردت في رسالة هذا الفاضل المجهول، أُصحِّحُ بها خطَأَه:
الأساس الأوَّل: إن بعض الآيات التي هي أستاذُ رسائل النور ومأخَذُها ووِردُ "سعيدٍ" منذ زمن بعيد، جُمعت على هيئة حزبٍ قرآني تلبيةً لرغبة بعض الطلاب، ثم طُبِعت؛ ولم تلقَ اعتراضًا من أيٍّ من علماء لجنة الخبراء الذين عيَّنتهم أربع محاكم، أو علماء دائرة الشؤون الدينية، أو علماء هيئة تدقيق الكتب الدينية التابعة لدائرة إفتاء "إسطنبول"، بل على العكس من ذلك، نالت ثناءهم واستحسانهم.
وما الحزبُ القرآني المنسوبُ لسيدنا أسامة رضي الله عنه وللصحابة من قبله، والمُدرَج في "مجموعة الأحزاب" المطبوعة، إلا دليلٌ على ذلك، إذ قاموا بتقسيمه أجزاءً لتُقرَأ كلَّ يوم؛ كما قام الإمام الغزالي رضي الله عنه بوضع حزبٍ قرآنيٍّ خاصٍّ لنفسه، وهو مُدرَجٌ في مجلَّد "مجموعة الأحزاب" أيضًا؛ وقد جمعَ كثيرٌ من أهل الولاية الآياتِ والسُّورَ المتوافقة مع مسالكِهم واتَّخَذُوها حزبًا قرآنيًّا مخصوصًا.. فالأمر واضح.
وقبل عشَرةِ أَعوامٍ رَغِب بعضُ أبطال النُّور یی من أمثال المرحوم الحافظ "علي" المتوفَّى شهيدًا یی بجمع أورادي الخاصة والآيات المُهِمّة التي هي أساتذة رسائل النور ومنابعُها، فأرسلتُها إليهم ليقوموا بطباعتها؛ وكان الدافعُ وراءَ هذه الفكرة أنه ليس كلُّ أحدٍ يجدُ وقتًا لقراءة كامل القرآن، فإذا ما وقع في يده حزبٌ قرآني كهذا، أمكنه الاستفادةُ منه في كلِّ وقت، وبهذه النيّة أُدرِجَت فيه الآيات والسُّور المخصوصةُ بالثواب الجزيل.
— 180 —
وإحدى معجزات القرآن الحكيم: أن كلَّ صاحبِ مسلكٍ من أهل الحقيقة والكمال يجدُ في القرآن قُرآنًا وحزبًا خاصًّا به، وأُستاذًا موافقًا لمشرَبِه، كأنَّ في المصحف الواحد آلافُ المصاحف.
والسِّرُّ في هذه المعجزة: أن مُناسباتِ آياتِ القرآن الحكيم وكلماته لا تختصُّ بما يُجاورُها من كلماتٍ وآياتٍ فقط، بل تَتَعدّاها إلى الكثير من الكلمات والآيات وتتوجَّه إليها؛ وقد وُضِّحَ هذا السِّرُّ نوعًا ما في التفسير النُّوري المُسمَّى "إشارات الإعجاز"، ما يعني أن القرآن لا يُشبِه سائرَ الكلِم، بل لكلِّ آية وجوهٌ وأنظارٌ متوجِّهةٌ وناظِرةٌ إلى آلاف الآيات؛ وبهذا الوضع يغدو القرآنُ منبعًا للكثير من الخوارق والحقائق؛ ولكلٍّ من أهل الطريقة وأربابِ الحقيقة حسَبَ مسلكه حزبٌ مخصوصٌ ومناسبٌ ضمن ذلك القرآن والكتاب الكُلِّيّ.
ومن هذا القبيل "حزب رسائل النور القرآني"، وقد سارع المرحوم الوليُّ الحافظ علي لطباعته ونشره بهذا الشكل ليكون مقدِّمة وبشرى بطباعة القرآن بتمامه، مُشتمِلًا على معجزة التوافق في الرسم القرآني التي اكتشَفَتْها رسائل النور.
أجل؛ إننا نجتهد منذ خمسة عشر عامًا لطباعة مصحف التوافقات ذي المعجزات الذي خطَّه خسرو، إلا أن معظم النوريِّين فقراءُ، وتبلُغ تكلفةُ طباعته مصوَّرًا خمسةً وعشرين ألفَ ليرةٍ ورقية، فلهذا قمنا بدايةً بطباعة الحزب القرآني ليكون مقدِّمة وبشارةً بطباعة هذا القرآن المُعجِز.
وقد قامت كلٌّ من دائرة الشؤون الدينية واللجنة العلمية في هيئة تدقيق المصاحف التابع لدار الفتوى بإسطنبول بتدقيق مصحفِنا ذي المُعجِزات، فنال إعجابَهم جميعًا، وأعادوه إلينا مصحَّحًا، وسيُطبع عما قريبٍ إن شاء الله، وسيقدَّم إلى العالم الإسلامي هديةً نُوريّة.
الأساس الثاني الذي شكَّك فيه ذلك الرجل الذي لم يُعلِن عن نفسه: أنني رفضتُ عمومَ الأوصاف التي هي مدارُ الفَخر والعُجْب ممّا نسبه إليَّ الكثيرُ من النوريِّين بحُسن ظنِّهم الزائد وبما يفوق حدِّي مئةَ درجة، وكسرتُ بذلك خواطرَهم
— 181 —
مرّاتٍ كثيرة؛ وفي المقابل حين وجد السِّياسيُّون منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا أنَّ مسلك رسائل النور الإيماني والأخروي الصِّرفَ لا يُوافقُ أفكارَ التمدُّن والتحضُّر لديهم، حاولوا منذُئذٍ منعَ انتشار رسائل النور عبر اضطهادي بالسجون والمحاكم والترصُّد، وتنفير النوريِّين مني وترهيبهم، وإبعادهم عنِّي بادِّعاءاتٍ وافتراءاتٍ باطلةٍ لإضعاف شخصي والطعن فيَّ؛ فأصبحتُ في حالةٍ يُرثى لها!
ولكيلا أنفِّر تلاميذَ النور مني تمامًا رَدَدتُ مدحهم الموجَّه إليَّ بالقول: إن هذا المدح حقُّه أن يعود للأنوار، وإن المزايا التي تشاهدونها لا يَدَ لي فيها، بل هي حقٌّ لرسائل النور التي هي تفسيرٌ لحقيقة من حقائق القرآن الحكيم.
ولئن كان في كلِّ عصرٍ مجدِّدٌ يُبعَث لخدمة الدِّين والإيمان، فإنَّ مجدِّد هذا العصر العجيب الذي أخَذَت فيه الضلالةُ شكلَ الشخص المعنويّ في تكتُّل أصحابها واعتداءاتهم، يلزم أن يكون شخصًا معنويًّا، فهذا الزمان لا يُشبه العهد السالف، ومهما كان الفردُ قويًّا فإنه يُمكن أن يُهزَم في مواجهة الشخص المعنويّ؛ وقابليّةُ رسائل النور لأن تكون مجدِّدًا من هذا النوع احتمالٌ قويّ، وتلكم الصفاتُ تَفُوقُ حدِّي وحاشا أن ترجع إليّ، بل إن حياتي تصلُح أن تكون بحُكم نواةٍ لرسائل النُّور، وقد تحوَّلَتْ رسائلُ النور بالإيجاد الإلٰهي من تلك النواة إلى شجرةٍ ثمينةٍ مثمرة، بفيض القرآن وإحسان الحقِّ سبحانه؛ وإني كنت بِذرةً تفتَّتت تحت التراب وفَنيَت، وعادت جميعُ القِيَم إلى معاني القرآن الحكيم وتفسيره ذي الحقائق المتجلِّية في رسائل النور.
الأساس الثالث الذي يشكِّكُ فيه ذلك الرجل الذي لم يعرِّف بنفسه: هو ما صرَّحت به جريدتا "بيوك جهاد" و"سبيل الرشاد" من أنني لا يمكن أن أجعلَ رسائل النور وخدمةَ الدِّين والإيمان أداةً للسِّياسات الدنيوية، ولا لبلوغ الكمالات المعنوية والمقامات الرفيعة؛ وصونًا لسِرِّ الإخلاص الحقيقي الذي هو منبع قوّةٍ عظيمةٍ للنُّور في هذا الزمان، حرَصتُ ألّا أجعل رسائل النور وسيلةً لما يبتغيه الجميعُ من تحصيل السعادة الأخروية والنجاة من النار، سوى نيل مرضاةِ الله وتنفيذِ أمرِه، ولعلِّي بذلك أحظى بِذَرَّةٍ من التضحية السّامية التي تحلَّى بها الصِّدِّيق الأكبر رضي الله عنه يومَ قال: "أسأل
— 182 —
الحقَّ سبحانه أن يضاعف حجمَ جسمي لِيَملَأ جهنم، حتى لا يبقى موضعٌ لمُؤمن يُعذَّب فيها، وأن أُعذَّب عوضًا عنهم"، واقتداءً به أقول: "أرضى بدخول جهنم لأُنقِذ بالإيمان بضعة أشخاص من دخولها".
والحقيقة أن العبادة إنَّما تؤدَّى امتثالًا للأمر الإلٰهي وابتغاءً للرِّضى الربّاني، لا لأجل دخول الجنة والنجاة من النار، خشية أن يعتريَها الفساد.
نعود مجدَّدًا إلى موضوع حزبنا القرآني: لقد قام سيدنا أسامة رضي الله عنه أحدُ القادة العظام لدى الرسول الأكرم (ص) بجمع حزبٍ قرآني خاصٍّ بنفسه، استخرجه من سُور القرآن المتفرِّقة وجعله وردًا لنفسه، فيومًا يقرأ آياتِ الحمد، ويومًا آيات الاستغفار، ويومًا آيات التسبيح، ويومًا آيات التوكل، ويومًا الآيات العائدة إلى لفظ السلام، ويومًا الآيات المتعلِّقة بالتوحيد و"لا إلٰه إلا الله"، ويومًا الآيات العائدة إلى كلمة الربّ.. ما يعني أن ثمّة إذنًا نبويًّا بمثل هذه الأحزاب.
وكذلك حزبُنا القرآني، إذ جمع الآيات التي تدور حول حقائق الإيمان، وخصوصًا الآيات التي في أوائل السُّور، فلذا كُتِب في بدايتها: "بسم الله الرحمٰن الرحيم"، ولعل الحزبَ يشكِّلُ حافِزًا على إتمام قراءة القرآن، ولا يُورِث النقصان؛ كما أنَّ بعضَ الآيات القرآنية التي يُرغَبُ في قراءتها تستغرِقُ قراءتُها عشرين يومًا، أما في هذا الحزب فتُقرأ في يوم أو يومين، ومن ذلك أني اتَّخذتُ لنفسي في بعض الأوقات وِردًا يضمُّ قسمًا من الآيات التي في أوائل السُّوَر، مع بعض الآيات الإيمانية التي هي أُسُسُ رسائل النور، فظهر هذا الوِردُ بعد حينٍ على شكلِ حزب.
لقد توهَّم ذلك الشخص المجهول حِفاظي على عِزَّتي العِلمية في مواجهة صغارِ الفراعنة أنانيةً، وتخيَّل عدمَ رفضي التامِّ لحُسنِ ظنِّ طلاب النور في حقِّي أنانيةً، واعتبر من الرياء توضيحي لبعض خواصِّ إخواني قسمًا من أماراتِ أهل الولاية وإشاراتِ بعض الآيات التي تبلغُ الآلاف والتي بتُّ منها على يقينٍ جازم، وقد اضطررتُ لإظهارها حتى أُورِث الطلابَ الاقتناعَ التامَّ والاطمئنان الكامل حول بياناتي التي تعود لحقائق الإيمان، فظنَّ ذلك الشخص المجهول إفصاحي هذا رياءً وتسويقًا للذات.
— 183 —
أجل، إن من الجناية والخيانة العظمى في هذا الزمان إظهارَ التواضع والفناء في وضعنا الدِّفاعي أمام أولئك الذين تفرعَنَت أنانيَّتُهم، في حين يشنُّون هجومَهم على الإيمان ورسائل النور لصالح الإلحاد؛ وما هذا التواضع سوى تذلُّلٍ وخُلُقٍ رذيل.. فيا تُرى! هل يُعدُّ تسويقًا للذات بأيِّ وجهٍ من الوجوه، وهل يُصنَّفُ وَلَهًا للشُّهرة والأنانية، إظهارُ الثباتِ والقوّة المعنوية بشكل بطوليّ في وجه هؤلاء، حفاظًا على عزّة الدِّين وشرفِ العلم.. كما تخيَّل ذلك الفاضلُ الأمرَ؟!
وهل يُعدُّ أنانيةً يا تُرى! إسدالُ السِّتر على معايبي الشخصية الخفية إزاءَ المُحتاجين لرسائل النور والباحثين عن الأنوار بُغيةَ تقوية إيمانهم وإنقاذه؟! وهم الذين لا يلتفتُ ثلاثةٌ أو أربعةٌ من عشرةٍ منهم إلى شخصي، بل ينصرفون إلى الحُجج القاطعة التي في الأنوار، أما الخمسة أو السِّتة الباقون فلعدم معرفتِهم بقيمة الحُجج يتوجَّهون إلى شخصي متسائلين: تُرى هل خدَعَنا هذا الرجل أم ينطقُ بالحقيقة؟! فاضطُررت إلى عدم نقض حُسنِ ظنِّهم بي خشيةَ تشكيكهم.
إنني بسِرِّ الآية الكريمة: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي لا أعتمد على نفسي الأمّارة، فليست تَخلُو من العيوب والتقصير؛ غيرَ أنَّ إظهار نقائصي التافهةِ المشهودةِ في نفسي والتي هي مقدارُ جناحِ بعوضة، في أثناء دفاعي وتصدِّيَّ لِهجماتِ مَن هم بمثابة التَّنانين والعفاريت، وفي زمنٍ نتعرَّض فيه لأشدِّ هجَمات جمعيات الإلحاد تخريبًا، لَيُعدُّ بمثابة تقديمِ يدِ العون لأولئك المُهاجمين، وحِرمانًا لخمسةِ أو سِتّة مساكينَ من أصل عشَرةٍ مُحتاجين لأنوارِ أدوية النُّور!
ولأجل هذه النقطة، فإنَّني أُعلِن للعالم أجمَعَ، مُستنِدًا إلى قوّة الحقيقة القرآنية وتفسيرِها بالحقائق الإيمانية، ودون الاعتماد أصلًا على قوَّتي ومزيَّتي الشخصية: أن لو اجتمع عليَّ المُلحِدون جميعًا فإنَّني أتحدّاهم دون تردُّد أو تحفُّظ، ولستُ أنحني أمامهم، ولا أكسِر صفوةَ عِزَّتي العلمية حِيالَهم؛ فإن كانت هذه أنانيةً، فليست عائدةً إليَّ، ولا يُمكِن أن تكون أنانيةً بأيِّ وجهٍ من الوجوه، إنما هي الصَّلابة الإيمانية.
— 184 —
ومثلَما أُنكِرُ الطبيعةَ من ناحية الإيجاد یی وقد أُثبتَ هذا في رسائل النور بصورة قطعيّة یی أُنكِرُ أيضًا ذلك الاقتدارَ الذي يسوقُ البشر إلى الغرور والأنانيّة والفرعنة؛ غير أنَّ دعاء البشر وكسبَه الجزئي المنطويَ على نوعٍ من الدعاء الفعليّ والاحتياج الحقيقيّ يُصبح في حُكم دعاءٍ مقبول لدى الحقِّ سبحانه.
فكما أثبت علماءُ أصول الدِّين بالدلائل القطعية في بحث "القدَر والجزء الاختياريّ" أن الله يُحسِن إلى البشر بالخوارق اللازمة تحت مُسمَّى "الاكتشافات والاختراعات"، كذلك علمتُ بالفيض القرآني، وبحُجج رسائل النور، وبقناعةٍ قطعيّةٍ تبلُغ درجةَ عينِ اليقين: أن الأنانية والاقتدار لديَّ ولدى كلِّ أحدٍ، ما هي إلا حُجُبُ الإيجاد والإحسان والتوفيق الإلٰهيّ.
فلذلك أعلنتُ في الأنوار لجميع إخواني: أنِّي كنتُ بِذرةً فبَلِيَت، فأحسن الحقُّ سبحانه بخلق رسائل النور من تلك البِذرة، استجابةً للاحتياج والعجز وصادقِ الطلب وصريح الدعاء.. وأن جميعَ الفِقْراتِ التي هي مبعَثُ الفخرِ في مكتوبات النُّور عائدةٌ لتلك الشجرة النُّورانية، فلا يمكن بحالٍ أن تكون حِصَّتي هي المفاخرةَ، بل هي الشُّكر وحدَه لا غيرُ؛ وما دام الأمرُ كذلك فإنَّني بعدد الكائنات والعوالم أقولُ: الشُّكرُ لله والحمَدُ لله.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭