لاحقة أمير داغ
— 56 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لم يَبقَ لدينا شكٌّ ولا شبهةٌ في أن الحُرِّية التي نالَتْها رسائلُ النور نتيجةَ خدمتنا هذه، قد لقِيَتِ الترحيبَ والتقديرَ لا منَّا أو من بلاد الأناضول والعالَم الإسلاميِّ فحسب، بل حتى من الكون وجوِّ السماء وفضاءِ العالَم الذين سُرُّوا ورَحَّبوا بنَيلها الحرية؛ فالمطر الذي ظَلَّ منقطعًا قُرابة أربعة أشهرٍ رغم شدة الحاجة، سرعان ما هطل غزيرًا مدرارًا مصحوبًا بالرعد الهادر في ليلة الرغائب، متزامنًا مع قرار محكمة "دَنِزْلي" تسليمَ الرسائل؛ ثم لما سَلَّمتِ المحكمةُ الرسائلَ فعليًّا، هطل المطر ثانيةً بی"أميرداغ" في ليلة المعراج هطولَه في ليلة الرغائب، مصحوبًا بتهليلات ملَكِ الرعد، مشيرًا إلى أن رسائل النور غيثٌ ورحمة؛ ثم هطل غزيرًا مرةً ثالثةً هطولَه في ليلتَي الرغائب والمعراج، وذلك بعد أسبوعٍ بالضبط وفي ليلة الجمعة، متزامنًا مع استلام الوكلاء لنُسَخ الرسائل في "دَنِزْلي"!!
فهذه التوافقات أَورثتْ قناعةً قطعيةً بأنه كما تَوافَقَ في السابق وقوعُ أربعِ هزاتٍ أرضيةٍ مع مصادرةِ رسائل النور واحتجازِها في السجن، وكان ذلك اعتراضًا صادرًا من كرة الأرض على هذا العمل؛ فإنَّ نزولَ الغيث الغزير في هذه البلدة "أميرداغ" في ثلاث ليالي جُمَعٍ یی إحداها ليلةُ الرغائب، والثانيةُ ليلةُ المعراج، والثالثةُ ليلةُ أولِ جمعةٍ من شعبان المعظَّم یی دون سائر الأوقات على مدى أربعة أشهر، وتَوافُقَه التامَّ في كلِّ مرةٍ مع دورةٍ من دوراتِ نَيلِ رسائلِ النور حُرِّيتَها، ما هو إلا تهنئةٌ وبشارةٌ من عالَم الجو، وإشارةٌ قويةٌ إلى أن رسائل النور رحمةٌ وغيثٌ معنوي.
وألطفُ أمارةٍ وقعتْ هي أن عصفورًا حطَّ بالأمس قرب النافذة فجأةً وأخذ يَطرُقها، فأشرنا إليه لكي يطير فلم يفعل، فلم أجد بُدًّا من فتح النافذة له، فقلتُ لجَيلان: افتح له النافذة لننظر ماذا يقول؟ فدخل وبقي حتى صباح اليوم.
وكنا قد تركنا له الغرفة وذهبتُ إلى غرفة نومي، فلما كان الصباح خرجتُ من غرفة نومي نصفَ دقيقةٍ ثم رجعتُ، فنظرتُ فإذا فيها طائرٌ يَذكُر: قدوس.. قدوس!! فقلتُ مبتسمًا: ما
— 57 —
الذي جاء بهذا الضيف؟! فنظرَ إليَّ ساعةً كاملةً، لم يَطِرْ ولم يَجفُل، وكنتُ أقرأ، ثم وضعتُ له خبزًا فلم يأكل، ثم غادرتُ الغرفة نصفَ دقيقة، فلما رجعتُ لم أجد هذا الضَّيف.
ثم جاء الصبيُّ الذي يَخدُمني فقال لي: لقد رأيتُ الليلةَ في الرؤيا أن أخَ الحافظ "علي" يأتي لزيارتنا، فقلتُ له: سيأتينا أخٌ كالحافظ "علي" و"خسرو"؛ ثم لم يلبث الصبيُّ أن أتاني في اليوم نفسِه بعد ساعتين قائلًا: لقد أتى الحافظ "مصطفى"؛ وكان يحمل البشارة بحُرِّيةِ رسائل النور، وقد أحضر قسمًا من كتبي التي كانت لدى المحكمة؛ فقلت للصبي: لقد بَيَّنَ هذا تعبيرَ رؤياك، وتعبيرَ كلٍّ من العصفور والطائر، مؤكِّدًا أن ما جرى لم يكن مصادفة.
فيا تُرى أيمكن أن يكون مصادفةً مجيءُ كلٍّ من العصفور والطائر بصورةٍ غريبةٍ عجيبةٍ إلى هنا، ثم نظرُهما الغريبُ غيرُ المعهود، ثم غيابُهما؛ وكذا تحقُّقُ رؤيا ذلك الصبي مطابِقةً تمامًا لما رأى، وتوافُقُها مع مجيءِ رسائل النور إلى هنا بيدِ شخصٍ فاضلٍ شبيهٍ بالحافظ "علي"؟! أثمَّة أيُّ احتمالٍ ألَّا يكون هذا بشارةً غيبية؟!
أجل، ليست هذه قضيةً صغيرةً محدودة، بل هي قضيةٌ لها علاقةٌ بالكائنات والحَيَوانات؛ وإني على قناعةٍ من أن نصيبي یی كتلميذٍ لرسائل النور یی من هذا الربح والنتيجة، يضاهي رِبحَ آلافِ الليرات الذهبية، فلْيُقَسْ على هذا استفادةُ مئاتِ الآلاف من تلاميذ رسائل النور وأهلِ الإيمان المحتاجين إلى تقوية الإيمان.
أجل، لقد حَلَّتْ أجزاءُ رسائل النور أكثرَ من مئةِ سرٍّ من أسرار الدين والشريعة والقرآن، وجَلَّتْ مكنوناتها؛ وأفحَمَتْ أشدَّ الملحدين عِنادًا وألزَمَتْهم الحجة؛ وبرهَنَتْ حقائقَ المعراج والحشر الجسماني ونحوَهما من حقائق القرآن التي يُظَنُّ أنها بعيدةٌ كلَّ البعد عن العقل الصِّرف، وأثبتتهما كالشمس أمام أعتى المعاندين والفلاسفة والزنادقة، ودَفعتْ فريقًا منهم للإيمان؛ فلا جَرَمَ بعد هذا أن يكون لِكُرةِ الأرض وعالَم الجوّ علاقةٌ بها، وأن تكون حقيقةً قرآنيةً تَشْغَل هذا العصر والمستقبل، وسيفًا ألماسيًّا بِيَدِ أهل الإيمان.
٭٭٭