— 155 —
بيانٌ يتضمن اعتراضًا خفيفًا على تقرير لجنة الخبراء
أقول لهم ردًّا على اتِّهامهم لي بجعل الشعائرِ الدينية أداةً للسِّياسة:
مثلَما أُشهِدُ جميعَ مراحل حياتي وجميعَ معارفي أنِّي لم أسعَ لجعل الدِّين أداةً للسياسة، تَشهَدُ لي بالأمر نفسِه سيرةُ حياتي وجميعُ أصحابي، فحينما كنتُ أمارس السياسة كنت أبذُل كلَّ ما بوُسعي لتوظيفها لخدمة الدِّين وجعلِها تابعةً له.
وكذلك كان الأمر في بداية عهد "الحُرِّية"، وفي زمنٍ عُلِّق فيه المُطالِبون بتطبيق الشريعة الإسلامية على أعواد المَشانق، وفي المحكمة العُرفية التي أقامها جيشُ الحركة، وعَلَّق يومَها على أعواد المشانق خمسةَ عشرَ شخصًا في يومٍ واحد، وخاطبني يومئذٍ رئيسُها وأعضاؤها بالقول: وأنت أيضًا تُطالب بتطبيق الشريعة؟! إنَّك رَجعيّ! فأجبتُهم: "إنني مستعدٌّ لأن أُضحِّيَ بروحي فداءً لمسألة واحدة من مسائل الشريعة.. وإذا كانت المشروطيّةُ استبدادَ حزبٍ وحركةً تخالف الشريعة، فلْتَشهدِ الدنيا أنني رجعيٌّ".
أجل، أيمكن لرجلٍ كهذا لم يُبالِ بالإعدام، وضحَّى بدنياه وبكلِّ ما لديه في سبيل الشريعة، أن يجعل من الدِّين والشريعة أداةً لشيء ما؟! هذا احتمال يأباه حتى السُّوفسطائيُّ.
أرأيتُم إلى رجلٍ عُرِف عنه أنه يرفضُ التعرُّض یی عبر السياسة یی لعشَرةِ ظلَمةٍ مراعاةً لخاطر بريءٍ واحد، ويَعُدُّ ذلك خطأً كبيرًا، ولم يقابل بالمثل عشَرةً من الظلمة الجُناة أذاقوه صنوف العذاب، بل حتى لم يدعُ عليهم، وجعل "عدم التدخُّل في الأمن والاستقرار" دستُورَ حياته، فمن ذا يتَّهِم رجلًا كهذا بأنه يجعل الدِّينَ أداةً للسِّياسة، ويتعرَّض بالتالي لأمنِ البلاد واستقرارِها؟! إنَّ اتِّهامه يدلُّ بداهةً على سوءِ طويّةٍ وحقدٍ دفين.
وإن رجلًا تعرَّض خلال ثمانيةٍ وعشرين عامًا لشتَّى صنوف الظلم والاضطهاد والتعذيب، ولديه یی بحَسَب تقارير بعض المحاكمِ یی مئاتُ الآلاف من الأصحابِ
— 156 —
المُضحِّين، ورغم ذلك لم تقع من أحدٍ من طُلّابه حادثةٌ واحدة تخلُّ بالأمن كما أكَّدت ذلك تحقيقاتُ ستِّ ولايات وستِّ محاكم..
أيُقال في حقِّ رجلٍ هذه حاله: إنَّه يُخلُّ بالأمن ويُضِرُّ بالوطنِ وبالسِّياسة؟! هذا لا شكَّ ظلمٌ عظيم لا تَسَعُه الأرض ولا السماء.
لا تُساوِرنَّهم الظُّنونُ أني أقول هذا كي أُنقِذ نفسي من الإدانة والمسؤولية حيالَ هذا الاتِّهام الظالم، فإنني أُؤكِّد لكم مُقسِمًا یی ويُصدِّق ذلك من يعرفُني من أصحابي عن كثب یی: أنِّي على اقتناعٍ جازمٍ أن الموت أفضلُ لي من الحياة، وأنَّ القبر مَبعَثُ راحةٍ لي أكثرَ من السجن بعشَرات المَرّات، وأن السجن أهنأُ لنفسي أضعافًا من حُرِّيةٍ كهذه؛ ولولا حزنُ بعض أصحابي لآثرتُ البقاءَ في السجن بشكل دائم.
ولو كان الانتحار جائزًا شرعًا، لكان أحبَّ من الحياة إلى رجلٍ ترفَّع عن التذلُّل أمام قرارات إعدامِ القائد الرُّوسي وقائد القُوّات التي احتلَّت إسطنبول، أو أمام غضب رئيس الجمهورية الأول في ديوان الرئاسة، وبحضور خمسين نائبًا من البرلمان؛ ثمَّ هو يتعرَّض في الوقت ذاته للإهانة والتحقير والافتراء والتعذيب والتعجيز من شُرطيٍّ وحارسٍ وموظَّفٍ بسيط!! لا جرم أن الموتَ أحبُّ إليه مئةَ مرةٍ من هذه الحياة.
وبما أنني أتعرَّضُ لاتِّهامٍ مبنيٍّ على هواجسَ لا تخطُر على بالٍ ولا خيال، بحُجّة رسالة "المرشد"، فإنني أقول: لقد أنقذتُ أنا وإخواني إيمانَنا وأخلاقَنا من المخاطر المُحدِقة من خلال الحقائق التي تضمَّنها "المرشد" الذي أُلِّف قبل خمسةَ عشر عامًا، وطُبع ثلاثَ مِرارٍ، وانتشر في هذا الوطن الآلافُ من نُسَخِه المطبوعة، وعشَراتُ الآلاف من نُسَخِه المكتوبة بخطِّ اليد، وقُرِئ بكمال الشَّوق واللَّهفة من قِبَل مئات الآلاف؛ ولم يَبرز أحدٌ مطلقًا یی مواليًا كان للحكومة أم معارضًا لها، متديِّنًا كان أم مُلحِدًا یی ليقولَ: لقد وجدناه مُضِرًّا، أو بلغَنا أنَّه أضرَّ بالوطن أو الشعب! ولو كان فيه أدنى ضررٍ لانتشر خبَرُه حالًا لأنها قضيةٌ مُهِمّة؛ والحقُّ أننا نستطيع إظهارَ ما يقرُب من مئة ألف شاهدٍ أننا أنقذنا به إيمانَنا، وأصلحنا من خلاله سَجايانا الاجتماعيّة، وحقَّقنا منه الإفادة، ولدينا إن استدعى الأمرُ مئةُ ألفِ شاهدٍ على دعوانا هذه.
— 157 —
إن الرجل الذي له عشرُ حَسَنات، ينبغي غضُّ الطرف عن خطيئةٍ له بسيطة وعدمُ وضعِها في الاعتبار، فكيف بكتاب له مئاتُ آلافِ المآثر والفوائد؟ أيَصِحُّ أن يُجعَل موضعَ التُّهمة والمسؤولية لمُجرَّد عيبٍ متوهَّمٍ فيه لا حقيقةَ له؟! وهل يُمكن لأيِّ قانونٍ اجتماعيٍّ في العالم أن يَحكُم على هذه الحالة بالإجرام؟!
وقد أفادت لجنةُ الخبراء التي لا تعي شيئًا عن العلوم الدِّينية والإسلامية یی بعد أن دقَّقت ذلك المؤلَّف یی بأن مواضعَ التُّهَم هي:
أولها: (أنه يعارضُ العَلْمانية، ويستغلُّ الدِّين لمكاسبَ سِياسيّة).
والواقع أن مؤلِّفَه ترك السِّياسة قبلَ خمسة وثلاثين عامًا، حتى إنه لم يقرأ جريدةً واحدة مُنذُئِذٍ، ويؤكِّد على تلاميذه بشكل دائم ألّا ينشغلوا بالسِّياسة، وهذا الأمر يستأصلُ تلك التُّهمة من جذورها.
ثانيها: جُعِل من (تأييدي للتدريس الدِّيني) مأخذًا لتوجيه التُّهمة لي.
ونقول في ذلك: ليس في الدنيا أحدٌ من أهل الإيمان يَصِف هذا الأمرَ بأنه جُرم! لا سيَّما وقد ألقى على الأبرياء في السِّجن دروسًا كانت بمثابة سُلوانٍ لهم، وصرَّح بتأييده للدُّروس الدِّينية في ذلك الوقت، ممّا يؤكِّد أن هذه التهمة لا معنى لها أساسًا؛ بل إنه أصلح في مُدّةٍ وجيزةٍ حالَ ثلاث مئة سجينٍ بواسطة رسائل النور، فأعلنوا توبتَهم من الجرائم التي ارتكبوها، والتزم جميعُهم بأداء الصلاة.. الأمرُ الذي لَفَت أنظار المسؤولين المعنيِّين بهم، حتى قال بعضهم للشخص الذي قام باستنساخ "المرشد" في السِّجن: "لقد حقَّقَت رسائلُ النور من المنافع في خمسةَ عشرَ أسبوعًا ما يحقِّقه السِّجنُ في خمسةَ عشرَ عامًا"، ومؤلِّفه يقول عنه: "إن من يقرأ جزءًا من "المرشد" الذي هو واحدٌ من مئة وثلاثين كتابًا من رسائل النور، فإنه يَصلُح حالُه، ويتوب عن المساوئ، ويُحصِّلُ استفادةً تفوقُ ما يتلقّاه من الدُّروس في المدارس الشرعية التقليدية مدّةَ خمسة عشرَ عامًا، وخيرٌ له من الزجِّ به في السجن".
— 158 —
فيا تُرى! هل يُعَدُّ جُرمًا إظهارُ مثل هذه الأُمنِية، وتشجيعُ مَن أقرَّ بها، وصدَّقها حتى الذين زجُّوا بي في السجن؟!
ثالثها: أنهم اعتبروا مناصرتي لی(الحجاب والتربية الإسلامية) عُنصرَ اتِّهامٍ لي.
وأقول: أمّا هذا فقد نُشر في "أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي" و"أفيون"، وورد في لائحة القرارات الصادرة من محكمة "أفيون"، ولم تتعرَّض لي محكمة "أسكي شَهِر" قبل خمسة عشرَ عامًا بدعوى مناصرتي للحجاب! وأنا بدوري قدَّمتُ لهذه المحكمة ولمحكمة التمييز الجوابَ التالي:
مَن يتَّهِمُ رجلًا لتَفسيرِه آيةً كريمةً تُمثِّلُ دستورَ الحياة الاجتماعية لثلاثِ مئةِ وخمسين مليونِ مسلمٍ في كل عصر على مدى ألف وثلاث مئةٍ وخمسين عامًا، فسَّرها استنادًا إلى اتِّفاقِ معاني ثلاث مئة وخمسين ألف تفسيرٍ وتصديقِهم، واقتداءً بعقيدة أسلافنا السَّابقين طوالَ ألف وثلاث مئة وخمسين عامًا؟!
فلَئن كان للعدالة وجودٌ على وجه الأرض، فلا جَرَمَ أنها سترفض هذه الدعوى، وستَنقُض أيَّ حكمٍ قضائيٍّ يَصدُر بناءً على هذه التُّهمة.
وقد أثبَتَت رسائلُ النور أن الأمر بالحجاب الوارد في هذه الآية الكريمة هو مظهرُ رحمةٍ عظيمةٍ للمرأة، وأنه يحميها من الانحدار إلى الوضاعة؛ وقد أثبتُّ ذلك أيضًا في مقالة لي تحت عنوان "إلى أخوات الآخرة من أهل الإيمان" نُشِرت في العدد (١١٥) من جريدة "سبيل الرشاد".
رابعها: وجَّهوا إليَّ تهمةَ "توسيع دائرة النفوذ الشخصي"، وسببها أن لجنة الخبراء صنَّفت بعض العبارات التي أَستَخدِمُها محلَّ تهمة، مثلَ قولي: "أتحدَّثُ باسم الشخص المعنويِّ لرسائل النور"، و"أُخطِر إلى قلبي"، و"أُخطِر إليَّ"، و"ورد على قلبي"، و"إن رسائل النور تَمنحُ فوائد عموم المدارس وكذا المدارس الشرعية التقليدية والتَّكايا.." وغيرها من الصِّيغ.
وأقول جوابًا على ذلك: إن رجلًا على باب القبر، قد تجاوز الثمانين من عمره،
— 159 —
وعوَّد نفسه الانزواءَ منذ أربعين سنة، ويعيش في تجريد مطلق وسجن ونفيٍ منذ ثمانية وعشرين عامًا حتى سَخِط الدنيا تمامًا، ولم يقرأ الجرائد منذ خمس وثلاثين سنة ولم يستمع إليها، ولم يقبل طَوالَ حياته هديةً من أحدٍ دون مقابل، حتى من أقرب أقربائه بل حتى من أخيه، واتخذ لنفسه دستورَ تجنُّبَ اللِّقاء بأحدٍ من الخلق دون ضرورة، بهدف التقليل من إقبال الناس عليه واحتفائهم به، وأبى أن يَنسُب إلى نفسه ما يتلقّاه من مدحِ النوريِّين وثنائهم، مُحِيلًا له دومًا إلى هيئة النوريِّين أو إلى الشخص المعنويِّ لرسائل النور، وكان يقول: "إنني لست لائقًا بهذا المقام.. وهذا يفوقُ حدِّي.. وإنما أنا مجرَّد خادم.. ومَثَلي مَثَلُ البِذرة فَنِيَت وبَلِيَت، أما رسائل النُّور فهي تفسيرٌ للقرآن الحكيم ومعانيه"، وكان يستخدم العبارات التي يستعملُها الجميع: "ورد على خاطري، ورد على قلبي، أو أُخطر إليَّ"، لبيانِ أن الوارد ليس من مهارته وذكائه، بل من السُّنوحات القلبية، وهذه تعابيرُ يستخدمها الجميع.
حتى لو كانت هذه الجملُ إلهامًا كما ترى لجنة الخبراء عديمةُ الخبرة، فما من شيءٍ إلا هو مظهرٌ لنوع من الإلهامات والسُّنوحات، بدءًا من الحَيَوانات وصولًا إلى الملائكة والبشر، وعلى هذا اتِّفاقُ أهل الفن وأهل العلم عامةً، وعلى من يزعمُ أنه جُرمٌ عليه أن يُنكِر الفنَّ والعلم أوَّلًا.
خامسها: " يعتقدُ المؤلِّف أنه سيُنقذ جيلًا شارف على السقوط في إسارِ الفتنة المُغرية، وذلك من خلال الإجابات التي يُقدِّمُها لطالبي العونِ والنَّجدة من رسائل النور "، وهذا أيضًا عنصر اتِّهامٍ لي بحسَبِ لَجنة الخُبراء! وإن من يُمعِن النظرَ قليلًا يُدرك كم هي تهمةٌ تافهةٌ إزاءَ حقيقة ظاهرة أُثبتت بمئة ألف شاهد، وغدت ظاهرةً للعِيان!
سادسها: جعلوا من جملة: "فلتُقرَع أسماعُ السِّياسيِّين والاجتماعيِّين والأخلاقيِّين" عنصرَ اتِّهامٍ لي! والواقع أنَّ "سعيدًا" أعلن أنه أَوجَد حلًّا يسيرًا ومريحًا لإنقاذ الشباب من المخاطر، ونادى قائلًا: "فلتُقرَع أسماعُهم" كي يقوم السياسيُّون والأخلاقيُّون بإشهارِه ولفتِ الأنظار إليه؛ فمن يعتبر مثل هذا تهمةً، فإنه یی في ميزان الإنسانية یی يواجهُ تُهَمًا كثيرة.
— 160 —
سابعها: «يدَّعي أن شخصًا معنويًّا مرتدًّا يُوقِد نار الفتنة ويُذكيها، وأنه قرأ خيالًا ملامحَ هذا الشخص في إنسانٍ بعينه، إلا أنه لم يُفصح عنه على وجه التحديد» ، هذا أيضًا أحد عناصر اتِّهامي من قِبَل لجنة الخُبَراء!
فهل يتوقَّف یی يا تُرى یی شياطينُ الإنس والجن في الدنيا دون أن يفعلوا شيئًا؟! وهم المُنهمِكُون دومًا في فعل المساوئ وتسهيل القيام بها، أليست لجنةُ الخبراء العديمةُ الخبرة تعي هذا الأمرَ حتى إنها تتعرَّض لنا دون أيِّ مبَرِّر؟!
وما دام يقول بأنه معنويّ، وما دام أخفى شخصه ولم يُعلِن عنه، فلا توجد في العالم محكمة تقول: سنوقفُك بذريعة إهانة رجلٍ معنويٍّ یی أي: شيطانٍ كهذا یی! إنَّ محكمةً كهذه من الطبيعي جدًّا ألا تستحقُّ قراراتُها أيَّ اهتمام ولو بمقدار ذرّة، فهي بمثابة الهذيان.
ثامنها: "يدَّعي المؤلِّف ويكرِّر بإصرارٍ أنه يرتكِزُ إلى مُنطلَقات رسائل النور المترشِّحة مباشرةً من الإعجاز المعنوي للقرآن المُعجزِ البيانِ، والنابعةِ من مَعينِه، وهذه دِعاية دينية تستند إلى دلائِلَ وإلهاماتٍ دينية"، جعلت لجنةُ الخبراء هذا الأمرَ عنصرَ اتِّهام لي.
يُصادِق على هذا الأمر جميعُ من قرؤوا رسائل النور، وخاصةً مشاهير العلماءِ في مصر والشام وبغداد والباكستان ورئاسة الشؤون الدينية، ويُقرُّ جميعُهم بأن رسائل النور هي تفسيرٌ قرآني مباشر، وأنها بضاعةُ القرآن ولَمَعاتُه؛ وبناءً على إقرار هؤلاء العلماء بهذا، فإنَّ مَن جعلوا هذه الجملة عنصرَ اتِّهام لي سيحاسَبُون عن خطئهم هذا في محكمة الحشر الكبرى.
﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭