لاحقة أمير داغ
— 152 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وبه نستعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أوَّلًا: كنتُ أقرأُ في هذه الأيام آيةَ:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
الوارد ذِكرُها في سورة العنكبوت، ومُفادُها: لو علم رؤساءُ قريشٍ من المُشركين الذين لم يؤمنوا بعدُ أنَّ أوهنَ البيوت هو بيتُ العنكبوت.. فوَرَد عليَّ فجأةً وهمٌ شديد، إذ لم أَهتَدِ فيها إلى تدبُّرٍ مُناسب رغمَ بلاغتها.
وتزامنًا مع ذلك الوهم فتحتُ رسالة "ذو الفَقار، المعجزات الأحمدية" بُغيةَ تصحيحها، فلَفَتت انتباهي هذه السطور:
الحادثة الأولى: ورد في حديث مشهور بلغ درجة التواتر المعنويّ أن الرسول الأكرم (ص) تحصَّن مع أبي بكر في الغار للنجاة من طلب الكُفّار، فرَقَدت على باب الغار حمامتان كأنهما حارِسان، وقامت عنكبوتٌ بنسجِ خيوطٍ سميكة بشكل خارق على باب الغار، ليكون بمثابة السِّتارِ لهما؛ حتى إن أحدَ صناديدِ قريشٍ "أُميّةَ بنَ خلفٍ" نَظَر إلى الغار وقال مخاطبًا أصحابَه وقد همُّوا بدخوله: "ما أربُكم فيه! إنَّ عليه من شِباك العنكبوت ما أرى أنه نُسجَ قبلَ ولادة محمَّد (ص)، فعلامَ ندخل؟!".
وفجأة رأيتُ معجزةً في حرفَينِ من هذه الآية الكريمة: لَوْ، فأدركتُ أنها لمعةُ إعجازٍ عظيمةٌ حلَّت محلَّ ذاك الوهم، وهذا بيانُها:
— 153 —
بما أن سورة العنكبوت نزلت في مكة، فإنها تُخبِر بأن زُعَماء قريش الذين لم يؤمنوا سيَسعَون لاغتيال النبيِّ (ص)، وسيقوم أصغرُ حَيَوان وأضعفُه وهو "العنكبوت" بمواجهة هذا الهجوم العنيف الذي سيَشُنُّه أولئك الزُّعماء، وسيتغلَّب عليهم؛ بمعنى: أن الشَّبكة التي هي بيتُ العنكبوت بينما كانت أضعفَ حِجاب، إذا بها تَنتَصِر على أقوى الرُّؤساء والقادة؛ فلذا تُخبر الآية بأنهم لو علموا یی على سبيل الافتراض یی أنهم سيُهزَمون أمامَ أضعفِ حَيَوان، لَمَا سَعَوا للقيامِ بهذه الجناية ومحاولة الاغتيال.
فمثلَما أَظهَرَت كلمةٌ واحدة في آية: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ معجزةً تاريخية،
(حاشية): ورد في "المعجزات القرآنية" أنَّ قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ خطابٌ موجَّهٌ لفرعون الذي غرق، وفي الوقت نفسِه تُعبِّر عمّا كان للفراعِنة من دُستُور حياةٍ مَليءٍ بالعِبَر، وهو نقلُ أجسادِ موتاهم بالتَّحنيط من الماضي إلى الأجيال المُقبِلة لِعرضِها أمامَهم، وَفقَ اعتقادهم بتَناسُخِ الأرواح؛ كما تُفيد الآيةُ الكريمة بأسلوبٍ مُعجِز إشارةً غيبيّةً إلى أنَّ الجسد الذي اكتُشِف في العصر الأخيرِ هو نفسُه جسدُ فرعونَ الغارق، فكما ألقَت به الأمواجُ إلى السّاحل الذي غَرِق فيه، فسيُلقَى به كذلك من بحرِ الماضي، فوقَ أمواجِ العُصُور، إلى ساحِل هذا العصرِ.
(حاشية الحاشية): لقد وجد الأجانب في هذا العصر جسدَ فرعون بعينه، ونَشَرت الصُّحف أنهم قاموا بنقله إلى متاحفهم.
فكذلك هذه السورة المكيَّة، أَظهَرَت لَمعةَ إعجازٍ بالرمز المشاهد في آية: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وبالإشارة إلى المعجزة النبوية التي هي نوعٌ من الحفظ الإلٰهيِّ والإخبار الغيبيّ.. لذا كان من المناسب جدًّا تسميةُ هذه السورة بی"العنكبوت"، والنظرُ باهتمامٍ إلى شِباكها البسيطة.
فنقَضَت هذه الآيةُ الأوهامَ والشُّبُهاتِ الواردةَ إلى ذهني من أساسها، فشكرتُ اللهَ كثيرًا أن أظهر في حروف القرآن لَمَعاتِ إعجازٍ، تمامًا كالتي في سُوَره وآياته، وحتى جُمَلِه وكلماته.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭