— 148 —
حاشية "مفتاح عالم النور"
حول مبحث "المِذياع" في "مفتاح النور"
خرجتُ ذات يومٍ مع اثنين من الطلاب الجامعيِّين في جولةٍ بالسيّارة، وفي أثناء التَّجوال استمعنا عبر مِذياعِها اللاسلكيّ لمولدٍ شريفٍ مُقامٍ في منطقة بعيدة، فقلت لطالبَيِ النُّور:
إنَّ أحد مظاهر تجلِّياتِ القدرة الإلٰهية في النور، بصورةٍ مباشرةٍ وبشكلٍ بَدَهيٍّ ودونما حُجُب كما هي الحياة والوجود: أن الهواء اليسير الذي لا يُجاوز حجمَ الظُّفر، وكذا النور المعنويُّ القليل في هذه الآلة الصغيرة لا تُسمِع الكلمات الآتيةَ من هذا المَوْلد وتنطق بها فقط، بل إنها تُسمع في نفس اللحظة وتُفصحُ عن آلاف بل ملايينِ الكلمات الواردةِ إليها، فهي تَسمَع یی مثلَما نَسمَع نحن الآنَ یی الكلماتِ المختلفةَ المنتشرةَ في آلاف مراكز البثِّ، وتستطيع نقلَه إلينا وإسماعَنا إيّاه؛ ما يعني أن أصغر جزئيٍّ يغدو أكبر كُلِّيّ، كمثل ما تؤدِّيه حفنةُ الهواء الصغيرة تلك من مهامَّ بحجم كرة الهواء؛ ويكبُر حينها الصَّغيرُ فيغدو كبيرًا بحجم تلك الكرة الهوائية.
فلو لم يُنسَب هذا الأمر لِجَلْوة القدرة الأزلية، لحصل حينها تضادٌّ مُثير للسُّخرية والعَجَب لا يَقبلُه عقلٌ ولا خيال؛ إذ يستلزم أن يكون (أصغرُ جزئيٍّ) مثلَ ضِدِّه (أكبر كُلِّيٍّ)، وأن يكون أصغر شيء كأكبر شيء، وأشدُّ الأشياء وَهْنًا وجهلًا وعجزًا وانعدامَ شعورٍ، كأقدرِها وأكثرِها درايةً وإرادةً وشعورًا؛ وما هذا سوى خُرافةٍ لا مثيلَ لها، فانقلاب الشيء إلى ضدِّه محالٌ ضمن تضادٍّ ومحالاتٍ وخرافاتٍ تُعَدُّ بالمئات!
فثبت بهذا مظهريّةُ الأمر للقدرة الإلٰهية بداهةً، ويجسِّدُ مثالَ كرةِ الهواء ما ورد في الحديث الشريف: أنَّ مِن الملائكة مَن له أربعون ألفَ رأسٍ، في كلِّ رأس أربعون ألفَ لسانٍ، كلُّ لسان يُسبِّحُ أربعين ألفَ تسبيحٍ، ما يعني أنها تسبِّح أربعًا
— 149 —
وستِّين بليون تسبيحةٍ في نفس اللحظة؛ فكانت كرةُ الهواء كهؤلاء الملائكة، بمعنى أن كلَّ كلمة طيبة تُكتب في صحيفة الهواء بعدد تسبيحات هذه الملائكة.
تقول كرة الهواء: إن هذا الحديث يُخبر عني أو عن الملَك الذي أُمر بالإشراف على عملي، فجميع الأحاديث والأصوات غير المحدودة الصادرةِ من الإنسان بحروفها ولَهَجات ناطقيها وأصواتهم المخصوصة، وتمايزها عن بعضها رغمَ اختلاطها.. كلُّ ذلك يؤكِّد أن هذا العمل الذي يتمُّ بشعور كُلِّيٍّ، والذي هو مُهِمّة ذرَّة واحدة فقط، لا يمكن بحالٍ إحالتُه إليَّ، ولا إلى جميع الأسبابِ قاطبةً.
ممّا يعني أنها جَلْوةُ أحَديّة حاضرة وناظرة في كل مكان، وجلوة قدرة أزلية تتضمَّن في ثناياها إرادةً شاملةً وعلمًا محيطًا.. وأحد ملايين الشواهد لهذا الأمر: المذياع.
إن شرح المسألة التي ذُكرت في مبحث الموازنة بين الحكمة القرآنية والحكمة الفلسفية الواردة في "الكلمة الثالثة عَشْرةَ" هي:
تقومُ الفلسفة الإنسانية بإسدال ستار المألوفات والمُعتادات أمام معجزات القدرة الإلٰهية الخارقة للعادة، ولا تُبصرُ ما في ثناياها من دلائل الوحدانية والنعم الخارقة بل تُخفيها، وتوجِّه الأنظارَ إلى بعض جزئياتها الخصوصية التي شذَّت خارج نطاق المُعتاد، وتُوليها الأهمِّيةَ فحَسْبُ.
فعلى سبيل المثال: لا ترى معجزاتِ القدرة في الخلقة الإنسانية الكاملة السليمة ولا توليها أهمِّية، لكنَّها ترى إنسانًا ذا رأسين أو ذا ثلاثة أرجل شذَّ بها عن القاعدة، وتلفِتُ الأنظار إليه باستغراب وحَيرة، فهي تُخفي المعجزات الكلِّيّةَ العمومية تحتَ ستار العادة، وتجعل من الموادِّ الجزئية والشاذّة عن القانون والشّاردة عن طائفتها مدارَ العبرة!
مثالٌ آخر: ترى الإعاشةَ المُعجِزة الخارقة لصغار الحَيَوانات والبشر أمرًا بسيطًا، ولا تُوليها الأهمِّيةَ اللازمة، إلا أنها تسلِّط الضوءَ على حشرة ابتعدت عن طائفتها وفارقت أُمَّتها، ودخلت في أعماق البحر وعاشت على ورقة خضراء كانت
— 150 —
تُقِلُّها یی كما نشَرَت يومًا إحدى الصُّحف الأمريكية یی فشاهدها الصيّادون وبكَوا أمامَ هذا المشهد، وأعلنوا عن ذلك في جَلَبة وصخب.
والحال أن ثمّةَ آلافَ النماذج من معجزات الرحمة والإحسان في أصغر الصِّغار وفي أرزاقهم الشبيهةِ بماء الكوثر المخزونة في الأثداء، غير أنَّ الفلسفة البشرية لا تلتفت إلى هذه المعاني، كيلا تتعرَّف على الرحمٰن الرحيم وتقابلَه بالشُّكر.
أما الحكمة القرآنية فإنها تمزِّق ستارَ المألوفات هذا، وتعطي البشر درسًا في تلك المعجزات الكلِّية العمومية الفائقة، وفي تلك النعم الخارقة للعادة، وتعرِّفُهم بالله، وتدفعهم إلى العبودية تحت مسمَّى الشُّكر الكلِّي.
وإن أحد أغربِ أخطاء الفلسفة البشرية وأعجبِها: أن جُزأَها الاختياريَّ وإرادتها لا تَفي للقيام بأصغر أفعالها وأكثرها ظهورًا، ألا وهو: التحدُّث؛ ولا يمكنها إيجادُه، فهي تقوم فقط بإدخال الهواء في مخارج الحروف، بينما يَخلقُ الحقُّ سبحانه تلك الكلمات بناءً على الكسب الجزئي، وتُكتَبُ في الهواء آلافَ النُّسَخ.
وإن إطلاق تعبير "اختراع البشر" على معجزةِ قدرةٍ كُلِّية خارقة، رغمَ عجز جميع أسباب الكائنات أمامَها، ورغم قِصَر يد الإنسان أمام هذا القَدْر من الإيجاد، لَيُعدُّ خطأً شنيعًا، يَدرِيه من يمتلك ذرّةً من الشعور.
ومثال ذلك: أن يُنسَب لإنسانٍ مسكين في مُطلَق العجز قانونٌ إلٰهيٌّ ضمَّ مئاتِ الآلاف من الخوارق یی وهو المِذياع یی كيما يكون وسيلةً لإفادة البشر، وكان اكتشافُه إلهامًا إلٰهيٍّا، ومظهرًا من مظاهرِ الاستجابةِ لأدعيةِ البشر الفعلية.. وأن يُقالَ عنه: لقد قام المُكتَشِفُ الفلاني باختراعِ المِذياع، واكتشافِ قوّة الكهرَباء؛ بينما يعملُ بعض المُكتشِفين على إيجاد مادّة يُمكنها قراءة عقول البشر!!
أجل، لقد خلق الحقُّ سبحانه هذا العالَمَ على هيئة دارِ ضيافة، وبداخلها كلُّ ما يَلزَم الإنسانَ ويليقُ به ويَحسُن، ووضع بين أيديهم في بعض الأزمنة والعصور بعضَ نعمه المخفيّة ثمرةً لتحرِّياتهم النابعةِ من تلاحُقِ الأفكار، والتي هي دعاؤهم الفعلي.
— 151 —
وبينما كان الواجبُ أن يُقابَل هذا بالشُّكر والامتنان، إذا به يُقابَل بأحدِ مظاهرِ كُفرانِ النعمة، بأن نُظِرَ إليه على أنه شيء بسيط اعتياديّ من صُنعِ إنسانٍ عاجز وبمهارتِه، وأُغفِلت تلك الخوارقُ المصنوعةُ بمحض إدراكٍ وعلم وإرادة ورحمة وإحسان كلِّيّ، وأُظهِر فقط حِجابٌ رقيقٌ من حُجُبها، وأُحِيل أمرُه إلى المُصادفة والطبيعة العديمةِ الشعورِ، وإلى الموادِّ الجامدة! وهذا الفعل لا يعدو أن يكون وُلُوجًا إلى بابِ جهلٍ مُطلَقٍ يُعارِض ماهيّةَ الإنسان المخلوق في أحسن تقويم! وما دام الأمر كذلك، فإنه بدستور:
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
يَلزَمُ النظر إلى المخلوقات بالمعنى الحرفِيِّ، حتى يكون الإنسان إنسانًا.
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
٭٭٭