— 145 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أولًا: نُبارك من أعماق أرواحنا هذه الشُّهورَ الثلاثة، ولياليَكم القدسية المباركة، وليلة الرغائب، وليلة المعراج، وليلة البراءة، وليلة القدر.. التي يَكسِب بها الإنسانُ عمُرًا معنويًّا مديدًا يُقدَّر بثمانين سنةً، ونسألُ الحقَّ سبحانه أن يتقبَّل من كلِّ نُوريٍّ دعاءَه ومكاسبَه المعنويّة بحقِّ جميع إخوانه، كما نُبارك نجاحَكم الذي حقَّقتموه في الخدمة النورية.
ثانيًا: أودُّ أن أُطَمئِنَكم بأن مرض النسيان العامِّ الناتج عن التسمُّم قد انقلبت مصيبتُه في حقِّي نعمةً ورحمة، وأضحت مفتاحًا لكشف بعض الحقائق؛ فلا تغتمُّوا لأجلي، لكنِّي بكلِّ صدقٍ بحاجة لدعائكم.
أجل، فلدى قراءتي الآن للمناجاة التي في مقدِّمة «سراج النور» ، رأيتُ أن حقائقَ خارقة تتخفَّى تحت حُجُب الألفة والاعتياد والإجراء المُنتَظِم بنَسَقٍ واحد؛ ولا سيما عند غير المتديِّنين من أصحاب الغفلة وأهل الطبيعة وأرباب الفلسفة، فهم لا يُبصرون الكثيرَ من معجزات القدرة المتلفِّعة بحُجُب النواميس الربانية، فيُسندون حقيقةً بحجم جبل إلى سبب بسيط بحجم ذرّة، ويَسُدُّون بابَ معرفة القدير المطلَق المتجلِّي في كلِّ شيء، ويَتعامَون عن رؤية النِّعم المُودَعة في كل شيء، فيُغلقون بذلك بابَ الشكر والحمد.
فمثلًا: مثلَما تَستنسِخُ جلوةُ القُدرة في صحيفة الهواء وفي آنٍ واحدٍ من كلمةٍ واحدة مليونَ بل ملياراتِ الكلمات.. ومثلَما تُستَنسَخ كلُّ كلمة طيِّبة في كرة الهواء بقلم القدرة فجأةً كأنها بدون زمن، وذلك بسرِّ آية: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ومثلَما اختفت لدى أهلِ الغفلة تحت ستار الأُلفة منذ زمن آدمَ إلى اليوم في كرة الهواء معجزةٌ عجيبةٌ للقدرة هي في حكم لوحِ محوٍ وإثباتٍ للحقائق المعنوية والمقبولة..
— 146 —
فكذلك ثَبَت بالحقيقة نفسها التي أَطلَقُوا عليها اليومَ اسمَ "المِذياع": أن جلوة قدرةٍ أزليةٍ غيرِ متناهية، تَحمِلُ في ثناياها علمًا وحكمة وإرادة غيرَ متناهية، حاضرةٌ وناظرة في كلِّ ذرة من ذرّات الهواء، حتى أن الكلمات على تنوُّعها غيرِ المحدودِ تَدخُل في الأذن الصغيرة لكلٍّ مِن ذرّات الهواء، وتُلفظ من لسانها الدقيق دون أن تَختَلِط أو تَفسُد أو يَتغيَّر هدفُها.
ومُفادُ ذلك: أنه لو اجتمعت جميعُ الأسباب لَما أمكنها بأيِّ طريقةٍ فعلُ جلوةِ القدرة القدسية في الوظيفة الفطرية لذَرّةٍ واحدة فقط، وأنه لا يمكن لأيِّ يدٍ أن تبلُغَ بأيِّ حالٍ تلك الصَّنعةَ الخارقةَ المتوفِّرةَ في اللسان والأذن الصغيرة لكلِّ ذرّةٍ من الذرّات، ممّا اضطَرَّ أربابَ الضلالة وأهلَ الغفلة إلى سَتر ذلك بسِتارِ الألفة والاعتياد والإجراء المُنتَظِم بنسَقٍ واحد؛ وأطلقوا عليها اسمًا سطحيًّا، وخدعوا بذلك أنفُسَهم بشكل مؤقَّت.
فمثلًا: لو قام صانعٌ مُعجِز بصنع مئة أُوقيّة من الطعام المتنوِّع، ومئةِ ذراع من الأقمشة المختلفة، من قطعة حطب صغيرة بحجم ظُفُرٍ، فقام شخصٌ آخرُ بالتهوين من شأن تلك الصَّنعة الخارقة التي أبدعها ذلك الصانع الماهر، وجعلها بحُكمِ العدم؛ بل أشار إلى قطعة الحطب تلك قائلًا: "لقد حصلت هذه الأعمالُ اتِّفاقًا ومصادَفةً من هذه"، كم يكون ذلك حماقةً وخرافةً وهذَيانًا في أَتُون الضلالة؟! مثلَما وَرَد في حاشية "ذيل الكلمة الرابعة عشرة".
أو قيل في معجزةِ قدرةٍ كشجرتي الصنوبر والتِّين مثلًا المتضمِّنتَينِ آلافَ الفنون الخارقة: "إنما صُنِعا من هذه" إشارةً إلى بِذرةٍ بحجم حِمِّصة!!
أو أُلقي حجابُ الكُفران والنُّكران على مئاتِ آلافِ النِّعم بإطلاقِ اسم "المِذياع" والموجات الهوائية والكَهرَبائية على النموذج (حاشية): توجد في هذه الكلمة إشارة إلى مفتاح خزينة حقيقة عظيمة. المُعجَّل للإحسانات الإلٰهيّة المدَّخرة لسعادة البشر الأبدية، وهو دون أدنى شكٍّ أو شُبهةٍ هديّةٌ رحمانيةٌ جاءت إحسانًا من خزينة الرحمة مباشرةً، تَضمُّ نِعَمًا لا تُحصَر، إذ جعل الكرةَ الهوائية بمثابة ساحةِ اجتماعاتٍ، وجعل وجهَ الأرض بحُكم مدرسةِ معرفةٍ..
— 147 —
إنَّ تلقِّيَ هذه النعمة بهذا الأسلوب من النُّكران في الوقت الذي كان يَلزَم فيه مُقابلَتُها بآلافِ معاني الحمد والشُّكر، يُعتبَر جنونًا كجنون الماديِّين وأهلِ الضلالة المذكور في المثال، وجنايةً لا حدودَ لها، يستحقُّ فاعلُها عذابًا غيرَ محدود.
فيا إخواني، لقد قُمت اليوم بقراءة المناجاة في مقدِّمة «سراج النُّور» بُغيةَ تصحيحها، إلا أنَّ قوّة حافظتي قد خَفَتَت جَذوتُها، فكأنِّي جِئتُ إلى الدنيا حديثًا رغم بلوغي الثمانين، وكأني لا أعرف شيئًا من الألفة والاعتياد، فانسدلَ عني حجابُ تلك المألوفات، فوقفتُ على الحقائق في تلك المناجاة، وقرأتُها مستفيدًا منها تمامَ الاستفادة، وألفَيتُها في غاية الرَّوعة، وتشكَّلَت لديَّ قناعةٌ تامّة أن سعيَ أعدائنا الأخفياءِ لخداع بعض المسؤولين الرسميِّين من أجل مُصادرة «سراج النور» بحُجّة خاتمته، كانت بهدف منع انتشار المناجاة التي في مقدِّمته؛ فكما كانت "نكتة هو" في «المرشد» سببًا لهجوم المُلحِدين عليه، كذلك أصبحت المناجاةُ في مقدِّمة «سراج النُّور» سببًا للأمر ذاته.
ثالثًا: أُبشِّرُكم بكامل الاطمئنان النفسيّ والقلبيّ أن جميع المصائب التي ألَمَّت بنا قد تحوَّلَت في ميدان خدمتنا الإيمانية إلى نِعَمٍ عظيمة، وذلك لِما يتحلَّى به النُّوريُّون من الإخلاص التامِّ والصداقة الحقيقية والتسانُد المتين؛ وثمّةَ فتوحاتٌ للنُّور مخبَّأة خلف الأستار لا تَخطُر بالبال ولا على الخيال.
فمثلًا: قُمنا بدفع مئة ورقة نقدية أُجرةَ السيّارة التي أقلَّتنا من "إسبارطة" إلى "إسطنبول" لحضور المحكمة، وإنني أُقسِم أن ما ظهر وما بدأ يظهرُ من ثمارِ الخدمة في هذه المسألة وفي "المرشد" وفي شخصي خاصةً، لو دفعتُ لأجله ألفي ورقةٍ نقدية لَمَا أدَّيتُ حقَّه! ولكم أن تقيسوا ذلك أيضًا بالنتائج التي تعود على العموم.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض المحتاج إلى دعائكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭