— 138 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
أولًا: ارتأينا من المناسب أن نرسل إليكم خلاصةَ درسٍ تمَّ إلقاؤُه على أركان المدرسة الزهراء نزولًا عند رغبتهم؛ وموضوع هذا الدرس هو أنَّ فخرَ الكائنات وثمرةَ خِلقة العالم (ص) توجَّه في الحضرة الإلٰهية ليلةَ المعراج، باسم جميع موجوداتِ العالم، وعموم النوع البشريّ، بل باسم جميع ذوي الحياة، بل عموم الكائنات بالقول بدلَ إلقائه السلامَ: «التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله».
ولِما تتضمَّنُه هذه الجملة من معانٍ كلِّيّة، أضحى جميع أفرادِ الأمة يردِّدونها في صلواتهم اليومية عدّةَ مراتٍ، ولكلٍّ من أهل الإيمان حظُّه منها على اختلاف مراتبهم؛ وكما تحدَّثنا سابقًا في حاشية "نكتة هو" حول إظهار عنصر الهواء خوارقَ معجزاتِ القدرة بواسطة المذياع، فقد أُخطِر إلى القلب ما يلي:
يُفهم من الإشارات القرآنية أنَّ كل فردٍ من أهل الإيمان يَكسِبُ بالعبادة التي يؤدِّيها في الحياة الدنيا القصيرة عبادةً كلية، ويُثابُ عليها سعادةً أبدية، وملكًا باقيًا بقدر الدنيا، فكأن دنياه الخاصَّة بكاملها تؤدِّي هذه العبادةَ معه، لذا ينالُ مكافأةً بقدر دنياه الخاصَّة.
لقد ورد إلى روحي المعاني الكلية لی «التحيات المباركات..» المذكورة في المقام الثاني لرسالة "الحُجّة الزهراء" في مبحث العلم الإلٰهي، وحين نطقتُ بها في أثناء التشهد تحوَّلَت في خيالي فجأةً عناصرُ دنياي الخاصّةُ الأربعة "التراب، الماء، الهواء، النور" إلى أربعة ألسُنٍ، وتخيَّلتُ كلًّا منها ينطِقُ بلسان حاله عبارات: «التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله» ملياراتِ بل بليونات بل بليارات.. المرّات.
— 139 —
ولنتحدَّث عن أحدِ ألسنةِ هذه العناصر، وليكن "الترابَ" على سبيل المثال، فإن كلَّ ذي حياةٍ يُصبح كلمةً حيّة تنطقُ بی «التحيات» ، فحفنةُ ترابٍ واحدة تمتلك قابليةَ أن تكون أصيصًا ومَنبِتًا للكثير من النباتات؛ وبناءً عليه فإما أن يكون في تلك الحفنة مصانعُ معنويةٌ مصغَّرة بعدد المصانع التي أوجَدَتها البشرية جمعاءَ، وهذا أمرٌ في غاية المُحال؛ أو أن هذا الاستنبات يحصل بقدرةِ قديرٍ مُطلَقِ القدرة، وبعلمه اللامتناهي وإرادته اللامحدودة.
فعنصرُ «التراب» لأجلِ مَظهَريَّته هذه: تنطق جميع أجزائه وذرَّاتِه بما لا يُحدُّ من «التحيات لله» ، كأنه يُصرِّح قائلًا: إن هدايا جميع ذوي الحياة التي تقدِّمها بحياتها من الأزل إلى الأبد خاصةٌ بذات الواجب الوجود سبحانه.
وكذا العنصر الثاني لدنياي الخاصة ودنيا كلِّ أحدٍ الخاصة، وهو «الماء» ، غدا لسانًا كلِّيًّا يَلهَجُ بأحواله وبجميع ذرّاته بالكلمة المباركة: «المباركات» ، وينشرُها في العالم مرّاتٍ بعدد البليونات بل البليارات.. ولا سيَّما من جانب خدمته في نموِّ جميع ذوي الحياة وإعاشتهم، حيث الوظائفُ التي تؤدِّيها قطَرات الماء وخاصةً في إنماء النِّطاف والبُذور والنُّوى وإيقاظِها وتنبيهِها ومظهريَّتها للقيام بوظائفها الفطرية.. وقيام تلك المخلوقات البديعة الجميلة، وهذه الصغار الخارقة ذاتِ المظهر اللطيف، بوظائفَ عظيمة ومنتظِمة ومُكمَّلة غايةَ الانتظام والإتقان.. وإنطاقَها لجميع ذوي الشعور بما لا يُحَدُّ من كلمات الإعجاب: «ما شاء الله! بارك الله!»..
كل ذلك يتطلَّب أن يتوفر في كلِّ ذرة من ذرّات عنصر الماء هذا من العلم آلافُ ما يملكه أفلاطون، ومن الحكمة والإرادة آلافُ ما لدى لُقمانَ الحكيم.. وهذا مُحالٌ بعدد ذرّات الماء!
لذا فإن هذه الأمور لا تتمُّ إلا بقُدرة قديرٍ ذي جلال وإرادته، وبرحمةِ رحمنٍ رحيم وحكمته، لا حَدَّ لقُدرته وإرادته، ولا منتهى لرحمته وحكمته.
وباعتبارها یی أي: ذرّاتِ الماء یی مظهرًا لجميع تلك المعجزات، فإنها تنطق بعددها كلمة «المباركات لله» بكلِّيتها؛ ولذا فإن ثمرة خلقِ العالم یی النبيَّ (ص) یی نطق
— 140 —
في ليلة المعراج بلسان جميع الموجودات: «المباركات لله» ، أي: لأن جميع الحالات والمصنوعات التي تَحمِلُ كلَّ ناظر على نُطق كلماتِ التبريك: «ما شاء الله، بارك الله!» خاصةٌ بقدرة ذي الجلال، لذا يُهدي إلى الحق سبحانه بكمال الحضور جميعَ «المباركات» التي لا تَنحصِر.
وكذا العنصر الثالث في دُنيا كلِّ أحد، وهو «الهواء».. فإن كل ذَرّة من ذرّات حفنة واحدة منه ولو كانت بقدر كلمة "هو"، تَذكُرُ بلسان حالها یی كمظهرٍ لوظائف النقل والاستقبال والإرسال یی جُملةَ: «الصَّلَوات لله» المُعبَّرِ بها عن جميع الأدعية والصلوات والتضرُّعات والعبادات؛ فيغدو الهواءُ حينَها لسانًا كلِّيًّا يُردِّد تلك الكلمات التي لا تُحدُّ بأعدادِ "البليارات بل التريليونات"، ويُقدِّمها إلى صانعها وخالقها؛ فلذا قام الرسول الأكرم (ص) بتقديمها للحقِّ سبحانه باسمها ومعانيها الكلِّيّة قائلًا: «الصَّلَوات لله» ، أي: إن جميع الأدعية والتضرُّعات النابعةِ من الحاجة، والشكرَ المنبعثَ من النعمة، وجميع العبادات والصلوات.. خاصةٌ بخالق كلِّ شيء وحدَه، لأنه كما سلَف في حاشية "نكتة هو":
إمّا أن يكون في كلِّ ذرة من ذرّات حفنة هواءٍ بقدر (هو) قدرةٌ مطلقة وإرادة تامّة، وعلم محيط بجميع الألسُنِ ولَهَجاتها المتنوِّعة، وأشكال نطقها للحروف، ومعرفةٌ بمواضع الناطقين بها، وسَمْعٌ يمكنُه سماعُ كلِّ شيء بعيدًا كان أو قريبًا، مع طاقةٍ للقيام بأعمال عديدة معًا دون الإخلال بأيٍّ منها.. وهذا مُحالٌ بعدد ذرّات الهواء!
أو أنَّ كلَّ ذرّة من تلك الذرّات تُشيرُ دونما شكٍّ أو شبهةٍ إلى الصانع الحكيم بجميع صفاته، وتَشهَد بضرورةٍ قطعيةٍ على وجوده؛ فكأنها تمتلك بمقياسٍ مصغَّرٍ شهادةً كبيرةً مُكتنِفةً جميعَ شهادات الكون.. ما يعني أن الصلوات المقدَّمةَ بعدد ذرّات الهواء، والمعبَّرَ عنها بی «الصلوات لله» ، قدَّمها النبيُّ (ص) إلى ربِّ العزّة في المعراج الأحمدي بهذا المعنى الكُلِّيّ.
ثم لدى ذِكرِ الكلمةِ الطيبة: «الطيِّبات» ، غدا فجأةً عنصرا «النور» و «النار» یی أي: عنصرُ النور المادِّي والمعنويِّ، الحراري وغير الحراري یی لسانًا كلِّيًّا ينطق
— 141 —
بلسان الحال وبما لا منتهى له من الألسنة وبغير ما حصرٍ: «الطيِّبات لله» ؛ أي: إن جميع الكلمات الطيبة، والمعاني الزكية، وبدائعَ الحسن والجمال، وتجلِّيات الأسماء الحسنى الأزلية المشاهدِ جمالُها في مُحَيّا عموم الكائنات، وبهاءاتِ سَنا الكائنات والمخلوقات المتهلِّل في إيمان عامّة أهل الإيمان وفي طليعتهم الأنبياءُ والأولياء والأصفياء، وسائرَ الكلماتِ الطيِّبة الصاعدة نحو العرش الأعظم بسرِّ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ من تكبيرٍ وتسبيحٍ وتهليلٍ وتوحيدٍ وحَمدٍ وشُكرٍ..
وكذا الكلماتُ الجميلةُ النابعة من إيمان أهل الإيمان، والطيباتُ والجمالات غير المحدودة، والمتألِّقةُ في أجمل وجوه الدنيا الثلاثة، وهو كون الدنيا مرآةً للأسماء الإلٰهية، مع ما لا يُحَدُّ من الحسنات والخيرات والثمرات والجمالات المعنوية المتجلِّية في وجه الدنيا الثاني یی وهي مزرعة الآخرة یی.. مخصوصةٌ بكلِّيَّتها وبتمامها بالقدير ذي الجلال، سلطان الأزل والأبد.
فأفاد ذِكرُ فخرِ الكائنات (ص) بلسان عموم المخلوقات: «الطيِّبات لله» معنى تقديمِ عنصرَيِ النار والنور هذه العبوديةَ الكُلِّيّة عبر ألسنتهما الجامعة للمعبود ذي الجلال؛ إذ تشهد مليارات الوظائف بدَلالاتها المتجلِّية في عنصر النور المادِّي والمعنوي، وبنماذجها مجتمعةً ومتفرِّقة، على ذات الواجب الوجود.
أجل، إن النار والنور یی كسائر عناصر التراب والهواء والماء یی يدلّان بداهةً وضرورةً بدرجة القطعية وبتلك النماذج على أن جميع الأسباب ليست سوى حُجُبٍ، وأن الإيجاد والتأثير جملةً بيد القدير ذي الجلال سبحانه.
فالنُّور لائقٌ بنيلِ الوجود بمباشرة القدرة الإلٰهية بالذات دونما حُجُب، تمامًا مثلَ الوجود والحياة، ولأنَّ الأسباب الظاهرة لا تكونُ حُجبًا بأي جهة كانت، فإنَّه يُظهِر الأحَدية ضمنَ الواحدية، ويشير بوظيفةٍ جزئيةٍ وصغيرةٍ جدًّا إلى دليلِ أحَديةٍ كلِّيّةٍ واسعة؛ وقد أثبتَتْها بإيجازٍ "نكتة هو" مع حاشيتها.. وها نحن نُبيِّن نموذجين صغيرين من بين مليارات أمثلته:
— 142 —
الأول: أحد مفردات جَلْوة النور المعنوي ما يبدو على صورة عِلْمٍ في أدمغة البشر، وذلك في إدراج كلمات تسعين كتابًا في ذاكرة رجل يملك قوّةً حافظةً بحَجْم ظُفُر صغير، وأن ملْءَ صحيفة حافظتِه تلك تطلَّب یی بالكاد یی الاشتغالَ بالقراءة ثلاثَ ساعات يوميًّا ولثلاثةِ أشهر، وبإمكان ذلك الرجلِ استرجاعُ جميع المعاني والكلمات والصُّور والأصوات التي شاهدها وسمعها وآثارت فضولَه وإعجابَه خلال ثمانين عامًا من حياته التي قضاها، وفي الوقت الذي يشاء، عبر تلك القوّة الحافظة الصغيرة بقدر الظُّفر، فكأنها مكتبة ضخمة يَجِدُ فيها جميعَ ما يطلبه وعمومَ الأشياء الذي حفظها بذاتها، مدوَّنةً مصنَّفةً بانتظام.
ولا يمكن حصولُ هذا الأمر لو لم تحتوِ قوة الحافظة الصغيرة تلك مساحةَ بحرٍ لا ساحلَ له، ونورًا محيطًا وضياءً معنويًّا كالشمس، وصَحائفَ واسعةً كسطح الأرض؛ وهذا الأمر مُحالٌ بمئات آلافِ الدرجات، وغير ممكنٍ بحالٍ من الأحوال.
وعليه، فلا بدَّ لهذه الحافظة المصغَّرة أن تشهد شهادةً قدسيةً على خلق العلِيمِ المُطلَقِ عِلمُه وحِكمتُه وقُدرتُه لأدمغة البشر أُنموذجًا للَّوْح المحفوظ الذي يمثِّلُ صحيفةَ قدَرِه وقُدرتِه.
الأنموذج الجزئيُّ المصغَّر الثاني: هو الكهرَباء، فلقد قام رجلٌ بتدقيق الحالة العجيبة للمصباح الكهربائي، فوجد أن الذرّاتِ والموادَّ الموجودةَ في مئات مفاتيح الكهرباء ومراكزِها وأسلاكها الحديدية رغم أنها جامدةٌ لا تمتلك شعورًا، ولا تقومُ بحركةٍ ذاتية، إلا أنه بمجرَّدِ احتكاكٍ جزئي بسيط يتبدَّدُ ظلامٌ يَعُمُّ الأرجاءَ لعشَرة كيلومترات، ويَحُلُّ محلَّه النُّورُ خلال نصفِ ثانية!
وهذا الزوالُ المُفاجئ لتلك الظُّلمة المشاهَدة رأيَ العين، وحلولُ ذلك النُّور المشاهَدِ رأيَ العين محلَّها وبحجمها، ليس خيالًا دون شكٍّ؛ فإمّا أن ذلكم الاحتكاكَ الحاصلَ في تلك الذَّرّاتِ الجامدةِ العديمةِ الشُّعور يدلُّ على قوّةٍ ونورٍ عظيمٍ تحملُه في نفسها، بحيث تَمُدُّ يدَها فجأةً إلى أبعدَ من مئة كيلومتر، وتَكنُس الظلامَ المخيِّمَ ثمّةَ وتُنظِّفه وتملأُ مكانَه النُّورَ، وهذا أمرٌ محالٌ لا يقتنعُ به حتى السُّوفسطائيّ، ولو اجتمعت
— 143 —
عليه الشياطينُ والملاحدة والمادِّيُّون قاطبةً؛
(حاشية): إلا أنهم لأجل الخداع فقط يطلقون على بعض الحقائق العميقة المُهمة أسماءً ليُظهروها مألوفةً مفهومة، فمثلًا: يقولون: "هذه قوة الكهرباء"، ليُهوِّنوا بذلك من شأن تلك الحقيقة الدقيقة ويظهروها عاديةً بسيطة؛ والحالُ أن معجزة القُدرة تلك يستدعي شرحُ حِكَمها صُحفًا، فهم بمجرَّد وضعهم اسمًا لها يُخفون تلك الحقيقة ويسترونَ تلك الحكمة الكُلِّية، ويُقيمون مكانَها حجابًا صغيرًا ومظهرًا بسيطًا، ومن ثمَّ يُسندون ذلك الصُّنعَ المُعجِز إلى قوةٍ عمياءَ ومصادفةٍ عشواءَ وطبيعة موهومة، فينحدرون بذلك إلى دركِ جهلٍ أجهلَ من أبي جهل.
فإن القوانين هي السُّننُ الإلٰهية وعناوينُ نواميس الإرادة الربانيّة، ولعجز البشر عن إدراك ماهيّة تلك القوانين، فهم يُطلقون على ماهيَّتِها اسمَ "الكهرباء"، ليُهوِّنوا بذلك من شأن معجزة القدرة الخارقة في الإنارة، ويُظهِروها كأنها أمرٌ بديهيٌّ معلوم باستعمالهم تعبيرَ: "قوة الكهرباء".. وبمثل ذلك يهوِّنون من شأن الكثير من معجزات القدرة الإلٰهية البديعة.
أو أن هذا الأمر حدث بقُدرة القديرِ ذي الجلال، وحكمةِ علّام الغيوب العليم المُطلَق النّافِذ حُكمُه في الكون كلِّه، ومن مَعِينِ اسمِه "النور" تَرشُف الأنوارُ كافّةً فيضَها، فهو نورُ النُّور وخالق النُّور ومدبِّر النور.
وثمّةَ نماذجُ وأمثلةٌ لا تُحَدُّ على غرارِ هذين النموذجَين.
فمثلَما قدَّمت الكائناتُ بلسان حالِ عُنصرِ النُّور جميعَ ما لديها من الأنوار والمحاسن والطيِّبات والخيرات والكمالات والكلمِ الطيِّب لِذات ذي الجلال، كذلك ثمرة خلق الكائنات وسببُ إيجاد الكون محمدٌ (ص) نطق بمثل ذلك المعنى الكُلِّيّ في ليلة المعراج، وباسم عموم الموجودات في العوالم التي بُعث باسمها: «الطيِّبات لله».
وبعد أن قدَّم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام بعدد ذرّات الأنام هذه الكلمات الجميلة الأربعة بدلَ السلام، قابلَه الحقُّ سبحانه بقوله: «السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ» دلالةً على قبولها، وإشارةً إلى جميع أفراد أُمَّته ليقوموا بترديدها بأمرٍ وتشريعٍ معنويّ، كما هو موضَّح في رسائل النور.
ثمَّ حين قال النبي (ص): «السَّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين» ، جعل من ذلك السلام القدسيِّ سلامًا عامًّا شاملًا لنفسه ولأُمَّته ولأمثاله من جميع سابقيه، وأظهرَه سلامًا كُلِّيًّا مَشمُولًا على جميع المخلوقات، إذ هو مبعوثٌ إليهم جميعًا.
— 144 —
فقولُ أُمَّتِه في كلِّ صلاة: «السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ» إنَّما هو امتثالٌ لما تضمَّنه السَّلامُ الإلٰهيُّ من الأمر والتشريع؛ وهو في الوقت ذاته بيعةٌ له (ص)، وتجديدٌ وتأكيدٌ لهذه البيعة، بمعنى الإقرار برسالته ووظفيته، والخضوع للقوانين والتشريعات التي أُرسل بها؛ كما أنها تهنئةٌ وتبريكٌ لرسالته؛ إضافةً لكونها شكرًا يوميًّا بلسان عموم العالم الإسلامي لقاءَ بُشرى السعادة الأبدية التي جاءهم بها.
أجل، فكما يتألَّم كل إنسان لهلاك جسده، كذلك يتألم لخرابِ منزله، ويَحزُن أشدَّ الحزن لدمار وطنه، بل يتجرَّعُ من أعماق قلبِه ألمَ فراقِ أحبّائه ووفاتِهم؛ بينما يُلهِب روحَه ووِجدانَه مثلَ جهنَّمَ معنويةٍ مجرَّدُ تفكيره بزوال دنياه الخاصَّة التي يراها كبيرةً بحجم الدنيا، وبفراقِها ودمارها نهائيًّا في خاتمة المطاف.
سيُدرك كلُّ عاقل یی ما لم يكن فاقدَ الرُّوح والقلب والعقل یی: أن ترديدَ العالم الإسلامي كلَّ يوم وبكثرة: «السَّلام عليك أيُّها النبيُّ» ، إنما هو مقابلَ الهدية المعنوية المُبهِجة التي جاء بها محمدٌ العربيُّ عليه الصلاة والسلام، ممّا شاهده ليلة المعراج رأيَ العين، من البشارة بالسعادة الأبدية، وبالحياة الخالدة لأهل الإيمان في الجنة، وأن العدمَ لم يُغيِّب أحِبّة الإنسان الذين تعلَّق بهم، وأنه مُلاقيهم حتمًا بعد زوالهم.
وسيُدرك أيضًا أن ترديدَ جميع المخلوقات معنًى وبلسان هذه الحقيقة: «السَّلام عليك أيُّها النبيُّ» ، هو مقابلَ تحوُّل صحائفِ الكون وطبَقاته بتلك الهدية المعنوية التي جاء بها إلى مكتوباتٍ صَمَدانية، وتجلِّي القيمة الحقيقية للمخلوقات وكمالاتها برسالته.
وما سُنِّيّةُ تحيّةِ: «السَّلام عليكم» التي يُلقيها أفرادُ الأُمّة فيما بينهم كإحدى الشعائر الإسلامية، إلا لكونها شُعاعًا من تلك الحقيقة العظمى.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭