لاحقة أمير داغ
— 135 —
وفيما يلي بيانُ ثلاثِ حقائق لتوضيح الجواب الصادر قبل خمسة وأربعين عامًا:
أولُها: إن سعيدًا القديم استشعر بإحساسٍ مُسبَقٍ وقوعَ حادثتين عجيبتين، إلا أن هذا الشعور كان كالرُّؤيا الصادقة، بحاجة إلى التعبير والتأويل؛ فكما أن النّاظر إلى شيءٍ أبيض أو أسود من خلال ستارٍ أحمر يراهما مَشوبَين بلونِ الحُمرة، كذلك هو لمّا نظر إلى تلك الحقيقة من خلال ستار السياسة الإسلامية، غيَّرت صورةُ الحقيقة من شكلها نوعًا مّا، وإن ذلك الوليَّ الحاضرَ حينَها أدرك خطأَه هذا، فاعترض عليه من تلك الجهة بشدة.. وتلك الحقيقة على قسمين:
أولاهما: سيطلُع نورٌ عظيمٌ ساطعٌ في هذه الدولة العثمانية؛ وكثيرًا ما كان يُبشِّر به طلابه قبل عهد "الحرِّية"، ويبعث فيهم السُّلوانَ قائلًا: سيحقِّقُ ذلك النورُ السعادةَ لهذا الوطن في مواجهة جميع المساوئ التي عشناها؛ وها قد أظهَرَتْ رسائلُ النور بعد أربعين عامًا تلك الحقيقةَ للجميع حتى العُميان.
ودون الالتفات إلى الجانب الظاهريّ للنور والذي يبدو ضيِّقَ الكمِّيّة، أفاد بأنه سيَعُمُّ جميع أرجاء البلاد العثمانية، بما استشعره من منافع النور الجليلة الخارقة من حيث المزيّة، وعبَّر عن ذلك بمنظورٍ سياسيّ.. وقد عارضه حينها ذلك الوليُّ الفاضل لتصوُّره الدائرةَ الضيقة واسعةً جدًّا، فكان بذلك محِقًّا، مثلَما كان سعيدٌ القديم مصيبًا من جهةٍ أخرى.
فبما أن رسائل النور على ضيق دائرتها تُنقذ بالإيمان الحياةَ الباقية والأبدية، فإن مليونًا من طلابها هم في حُكم المليار، إذ إن العمل على تأمين الحياة الأبدية لألفِ إنسان یی فضلًا عن مليونٍ یی أثمنُ وأوسعُ معنًى من العمل على توفيرِ الحياة الفانية الدنيوية والمدنيّة لمليارِ إنسان، وهذا ما أدركه سعيدٌ القديم بإحساسٍ
— 136 —
مُسبَقٍ شبيهٍ بالرؤيا الصادقة، من أن تلك الدائرة الضيِّقة ستَعُمُّ جميعَ أرجاء الدولة العثمانية.
وستكون تلك الدائرةُ الواسعة بإذن المولى سبحانه دائرةَ النور، بعد أن تتسنبلَ وتنموَ البذورُ التي زرعها النُّور، وعندئذٍ يتَّضحُ صوابُ التأويل الخطأ الذي عبَّر به سعيدٌ القديم.
الحقيقة الثانية: كان سعيدٌ القديم منذ أربعين عامًا يكرِّر لطلابه بإصرارٍ في "إفادة المرام" من مقدِّمة "إشارات الإعجاز" وسائر تصانيفه المطبوعة قولَه: ستَحدُث زلزلةٌ اجتماعيّةٌ بشريّةٌ ماديةٌ ومعنويةٌ معًا، وسيَغبطُني الناس لانزوائي بترك الدنيا وبقائي عَزَبًا.
حتى إن أحدِ أبرزِ علماء الأزهر الشيخ بخيت رحمه الله سأل سعيدًا القديم في إسطنبول في السنة الأولى من عهد "الحرية" قائلًا: "ما تقول في حقِّ هذه الحرية العثمانية والمدنية الأوروبائية؟"، فأجابه: «إنَّ أورُوبّا حاملةٌ بالإسلاميّة، فستَلِدُ يومًا مّا؛ وإنَّ العثمانية حاملةٌ بالأورُوبّائيّة، فستَلِدُ يومًا مّا».
والمعنى: ما قولك في الحرية الموجودة في الحكومة العثمانية، وما رأيك في أوروبا؟ فقال سعيد القديم حينَها: إن الحكومة العثمانية حاملة بأوروبا فستلدُ دولةً شبيهة بأوروبا، وأوروبا حاملة بالإسلام فستلدُ كذلك دولةً إسلامية.
فقال له العلامة: وأنا أوافقك الرأيَ. وقال لمن كان معه من العلماء: هذا الشخص لا يُناظَر ولا يُهزمُ!
فلقد شاهدنا الولادةَ الأولى بأُمِّ أعيننا، إذ ظهرتْ حكومةٌ سبقت أوروبّا نفسَها في البُعد عن الدِّين طوالَ ربع قرن؛ أما الولادة الأخرى فستكون إن شاء الله بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، إذ ستظهر في شرق أوروبا وغربها دولةٌ إسلامية، وثمّة أماراتٌ كثيرة لذلك.
— 137 —
الحقيقة الثالثة: كان سعيدٌ القديم والجديد يُخبِران معًا عن وقوع حادثةٍ ماديةٍ ومعنويةٍ كبيرة، وكان سعيدٌ القديم يخبر بحسٍّ قبل الوقوع عن قُرب وقوع زلزالٍ بشريٍّ عظيمٍ رهيبٍ مُدمِّرٍ في الدولة العثمانية، ويكرِّر قولَه هذا ويُصِرُّ عليه كثيرًا؛ والحالُ أنه بذلك الحسِّ رأى الدائرةَ الواسعة جدًّا ضيقةً، بعكس ما في مسألة النور؛ ولقد صدَّق الزمانُ رؤيتَه هذه بوقوع الحرب العالمية الثانية؛ وها هو يعبِّر عن مشاهدته لتلك الدائرة الواسعة في الدولة العثمانية قائلًا:
صحيحٌ أن الدمار الذي ألحقته الحرب العالمية الثانية بالبشرية كبيرٌ وواسعٌ جدًّا، إلا أنه باعتبار توجُّهه إلى الحياة الدنيوية والمدنية الزائلة ضئيلٌ قياسًا على ما حصل في الدولة العثمانية، لأن الزلزلة الإسلامية المعنوية التي وقعت في الدولة العثمانية والدمار المعنوي الذي أصاب الحياة الأبدية والسعادة الباقية، قد ألحقا ضررًا معنويًّا يفوق بكثير ما أَلحَقَتْه الحربُ العالمية الثانية؛ وهذا الأمر يصحِّح السهو الذي وقع به سعيد القديم، ويعبِّر رُؤياه الصادقةَ تعبيرًا تامًّا، ويُجلِّي إدراكَه المسبَق أمام الجميع.
صحيحٌ أن ذلك الولي الذي عارضه على حقٍّ، إلا أن حسَّ سعيد القديم كان أحقَّ منه، وبإثبات ذلك الحسِّ يَرُدُّ اعتراضَ ذلك الولي تمامًا.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭