— 133 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
وقع في يدي أحدُ مؤلَّفات سعيدٍ القديم المطبوعة، فطالعتُه بلهفةٍ وتمعُّن، ووَرَد على قلبي الفِقرةُ التالية، فلْتُدرَج في نهايةِ "المكتوبات" إن كان ذلك مناسبًا:
أولًا: إن هذا المؤلَّف عبارة عن الدرس الذي ألقيتُه في السَّنة الثالثة من عهدِ "إعلان الحرية" بين عشائر "أرتوش" خاصةً، وعلى وجه التحديد عشيرتي "كَوْدان" و"مَامْخُوران"، كي أعرِّفهم بالمشروطية المشروعة وأُقنعَهم بقبولِها؛ وتمَّت طباعتُه في مطبعة "أبو الضيا" قبل واحدٍ وأربعين عامًا سنة (١٣٢٩)، إلا أني لم أقف عليه حتى اليوم رغم بحثي عنه منذ قرابةِ عشرين أو ثلاثين عامًا، حتى عثر أحدُهم مؤخَّرًا على نسخةٍ منه فبعث بها إليّ.
تناولتُ عقليّةَ سعيدٍ القديم، وقمتُ بمطالعة الكتاب بإمعانٍ وبسانحات سعيدٍ الجديد، فأدركتُ أن سعيدًا القديم قد استشعر بإحساس مسبقٍ الحوادثَ التي ستقع بعد ثلاثين أو أربعين عامًا، وهي التي تَحدُثُ اليوم، إذ شاهد خلفَ العشائر الكردية البدوية حقيقةَ الخونةِ المتستِّرين ممَّن ارتدَوْا قِناعَ المدنية في العصر الحاضر، وهم في حقيقة أمرهم مُلحِدون ومتخلِّفُون ورجعيُّون، يحاولون إرجاعَ الشعب تحت شعارِ الوطنية إلى عاداته التي كان عليها قبل الإسلام، فكأن سعيدًا القديم شاهدهم وتحدَّث إليهم بعنفٍ وأسكتَهم.
ثانيًا: طالعتُ بدقّةٍ فِقرةً موجودةً في ذلك المؤلَّف القديم، وهي في الصفحات (١٠٥-١٠٩) المتضمِّنة للأسئلة والأجوبة التي خاطبتُ بها تلك العشائرَ، فظهر لي أنَّ بينهم وليًّا كبيرًا ما كنتُ أعرفه، إذ عارضني بشِدّة قائلًا: "إنك تُفرِط برؤيتك الخيالَ حقيقةً، وتُهينُنا بتَجهيلِنا كذلك! هذا آخِرُ الزمان، ولَسوف يَسُوءُ الزمانُ أكثرَ فأكثرَ!"، وكنتُ قد أجبتُه آنئذٍ یی بحسَب الكتاب یی كالتالي:
— 134 —
لماذا ينبغي أن تكون الدنيا دنيا التَرَقِّي للجميع؛ وتكونَ لنا وحدَنا دنيا التدنِّي؟! أهو كذلك؟! لن أخاطبكم إذًا، هاأنَذا ألتفِتُ إلى الناحية الأخرى فأخاطِب مَن في المستقبَل:
أيها المُتَوارُون خلفَ عصرٍ شاهقٍ بدءًا من مئة سنةٍ حتى الثلاث مئة، تستمعون إلى كلماتي بصمت، وتشاهدوننا بِطَرْفٍ خفيٍّ غيبيٍّ؛ يا مَن يُسَمَّى سعيدًا وحمزةَ وعُمرَ وعثمانَ ويوسفَ وأحمدَ وغيرهم.. إياكم أُخاطِب.. إنني أتحدَّثُ إليكم عبر أمواج الأثير اللاسلكيّ الممتدِّ من أودية الماضي المسمَّى "التاريخ" إلى ذُرى مستقبلكم الرفيع.
ما حيلتي؟ لقد استعجلتُ فجئتُ في الشتاء، وأمّا أنتم ستأتون في ربيعٍ كالجنة إن شاء الله؛ إنَّ بذورَ النور التي تُستنبَتُ الآن ستَتَفتَّح أزهارًا يانعةً في أرضكم؛ وإن الأجرةَ التي ننتظرها منكم إن هممتُم بالعبُور إلى حِقْبةِ الماضي أن تَعُوجُوا على قبري، وتُقلِّدوا بعضًا من هدايا ذلك الربيع رأس بوَّاب الثرى المُضِيفِ لأَعظُمي، والمسمَّى بشاهد القبر (أي: كما أُشير في الرجاء الثالث عشر من "رسالة الشيوخ" أنَّ وفاة مدرسة "خورخور" القابعة تحت قلعة "وان" وقطعتها الصخريّة، والتي تُعَدُّ المرحلةَ الابتدائية من المدرسة الزهراء، دلالةٌ على إغلاق جميع مدارس الأناضول الدينية ووفاتها؛ فكأن هذه المدرسة غدت بمثابة مقبرةٍ كبرى لجميع تلك المدارس، وقلعة "وان" العظيمة شاهِدَ هذه المقبرة العظيمة.. فيا أيُّها القادمون بعد مئة عام.. اغرسوا في قمة تلكم القلعة زهرةَ مدرسةٍ نورية).
أي: أقيموا بنيانَ المدرسة الزهراء الجسماني، فهي وإن لم تُبعث جسمًا إلا أنها عاشت روحًا في هيئةٍ واسعةٍ باقية؛ فلقد أمضى سعيدٌ القديم مُعظَمَ حياته يسعى لتحقيق تلك الأُمنيّة؛ وقد دَوَّن في تلك الرِّسالة المطبوعة (الصفحات ١٤٧ حتى ١٥٧) حقائقَ مُهِمّة حولَ تأسيس المدرسة الزهراء ومنافعِها.
وإنه لَفألُ خيرٍ عظيمٌ یی بعد تحطُّم الاستبداد المُروِّع الذي دام خمسًا وعشرين عامًا، وأباد المدارس الدينية یی قيامُ وزير المعارف "توفيق" باتِّخاذ قرارِ إنشاء المدرسة
— 135 —
الزهراء في "وان" تحت مُسمَّى "جامعة الشرق"، وموافقةُ الرئيس "جلال" على هذا القرار وإدراجه ضمن القضايا المُهِمّة خلافَ ما كان متوقَّعًا.. كل ذلك يُظهر أن الوعد الذي أطلقَه والرجاء الذي تمنّاه سعيدٌ القديم قبل أربعين عامًا، أخذ يتحقَّق شيئًا فشيئًا.