— 123 —
ذكرى ذاتُ مغزًى من ذكريات "أميراداغ"
منذ خمس سنوات، وكلَّما تجوَّلت بالعربة في ضواحي "أميرداغ" لأستنشقَ الهواء العليل، أُفاجَأ بأطفالٍ صغارٍ لم يبلغوا السابعة، يتراكضون نحو العربة لمصافحتي والتسليم عليَّ، ويُظهرون اهتمامًا خاصًّا تجاهي أكثر ممّا يُبدونه لآبائهم وأمهاتهم! ولقد حصل ذاتَ مرّةٍ أنِ ارتمى بعضهم تحت العربة، ونَجَوا بأعجوبة دون أن يُصيبَهم أيُّ ضرر.
حتى الأطفال الصغار الذين لم يزالوا في أعوامِهم الأولى، ولم يروني أو يعرفوني من قبل، يُسارعون نحو العربة حُفاةً غيرَ آبِهين بالأشواك التي تعترض طريقَهم، ليُبادلُوني التحيّةَ كما يفعلُ الكبار، ويُبادروا بتقبيل يدي!
كنت أنا وإخواني نتعجَّب من هذا الأمر، إذ لم يكن خاصًّا بمنطقةٍ واحدةٍ فحسبُ، بل كان ظاهرةً عامةً في جميع الأنحاء، حتى في القرى.
إلا أني وأصحابي بِتنا مقتنِعين اليومَ تمامَ الاقتناع، من خلال خاطرة يقينية لا تحتمل الخداع، أن تلكم الطائفةَ من الأبرياء قد شعروا بحسٍّ قبلَ الوقوع أن رسائل النور ستُحقِّق منافعَ جَمّةً لهم ولأمثالهم من الأطفال الأبرياء في هذا الوطن، فقاموا بالالتفاف حولَ تَرجُمانه بدافع فِطريٍّ وحسٍّ بريءٍ، وبشوقٍ ولهفةٍ تفوقُ ما يظهرونه لأُمَّهاتهم، رغمَ أن عقولهم وأفكارهم لم تُدرِك هذا الأمرَ بعدُ.
وإننا كذلك نَشعُر بحسٍّ قبل الوقوع أن من بين هؤلاء الأطفال الصغار سيَبرُزُ نوريُّون كبارٌ، وسيكونون خواصَّ تلاميذ النور، لذا بَدَر منهم هذا التصرُّف.
وإنني أدخلتُ هؤلاء الأطفالَ الصغار ضمن دعواتي العامّة كأولادٍ معنويِّين لي إذ ليس لديَّ أولادٌ، وأدرَجتُهم ضِمنَ أدعيتي مع طلاب النور في كلِّ صباح.
كما أنني أفضِّل أحدَهم یی ولو كان ابنَ سنةٍ یی على رجل غافِلٍ ابنِ أربعين سنة، ذلك أن هؤلاء لا ذنوبَ لهم، وثمّة حقيقة تَشُدُّهم نحوي وتدفعُهم للاهتمام بي بطبيعة الحال.. فلهذا أبادلُهم التحيّةَ أكثر من الكبار، وأَقبَلُ تَحيّاتِهم بشكل جادٍّ.
— 124 —
ونظرًا لبراءَتهم، وباعتبارهم من طُلّاب النُّور مستقبلًا، وأملًا في إجابة دعواتهم بحقي، كنت أقول لهم: "أنتم أبرِياءُ ليس بذمَّتِكم آثامٌ، وأنا جِدُّ مريض، فادعُوا لي فإنَّ دعاءَكم مقبولٌ، وقد أشركتُكم بدوري في دعائي باعتبارِكم أبنائي المعنويِّين".
وفي مرحلةٍ مّا تمَّ افتتاحُ مدارسَ يُربَّى فيها الشبابُ على الطراز البلشفي، وحاولوا إفسادَ الشباب في هذه المدارس التي طرأ عليها تغييرٌ فيما بعدُ، وفي مقابل ذلك نهض أبناءُ حاملي لواء الإسلام الأبطال یی أي: الشعب التركي یی لمواجهة تلك المصيبة التي حلَّت بالشباب من خلال يقظةٍ نورانيةٍ وحسٍّ قبل الوقوع وبالتعلُّم من دروس النور.. وهذه إشارة لنجاة هؤلاء الأطفال والشباب من شرور الماسونيِّين والزنادقة إن شاء الله، ولذا ظهرت منهم هذه الأطوار.
إني وإخواني من حولي على قناعةٍ تامّةٍ بذلك.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭