لاحقة أمير داغ
— 120 —
النُّكتة الثانية: إن ما أنجزته المدنية الحاضرة من خوارقَ هو نعمةٌ إلٰهيةٌ للبشرية، تستدعي شكرًا حقيقيًّا، وتستلزمُ استخدامًا لمنفعة البشر؛ بيدَ أننا نَجِدُها اليوم قد دفعَت قِسمًا بالغَ الأهمِّيّة من الناس إلى الكسل والسفاهة وترك السَّعي والتقاعس عن العمل، وهيَّجت یی في ظلِّ الراحة وترك العمل یی الغرائزَ النفسيّة، فصَرفَتْهم عن الرغبة في السَّعي، وألقَت بهم یی بفقد القناعة وانعدام الاقتصاد یی في مهاوي السفاهة والإسراف، والظلم والوقوع في الحرام.
وقد أوردنا مثالًا في "مفتاح النور" من رسائل النور، نَعرِضُه هنا، وهو «المذياع» ، فبينما كان نعمةً عظيمة تستدعي شكرًا معنويًّا بصرفه لمنفعة البشرية، إذا بنا نجدُ أربعة أخماس استخداماته تُصرَفُ لإثارة الغرائز النفسية ولأمورٍ تافهة لا تعني الإنسانَ ولا تلزمه في شيء! بل أدَّى الاستماعُ إليه إلى الكسل والركون، وحطَّم فيه الهِمّة والرغبة في السعي، ما أدى به إلى التخلِّي عن وظيفته الحقيقية. وكذلك أمرُ بعض الوسائط ذات المنافع الكبيرة، فبينما كان ينبغي استخدامُها في السعي والعمل وتيسير المصالح والحاجات البشرية الحقيقية، إذا بنا نجدُ ثمانيةَ أعشارها تُصرَفُ لأجل التسلية واللهو والمتعة والتنزُّه، مقابلَ واحدٍ أو اثنان من عشَرة تُستخدمُ في تلبية الحاجات الضرورية، فدفعت بالناس إلى التكاسل! ولهذين النموذجَينِ الصغيرَينِ آلافُ الأمثلة.
— 121 —
الحاصل: إن المدنية الغربية الحاضرة لم تُصغِ تمامَ الإصغاء إلى الأديان السماوية، فأفقَرَت البشرية وضاعفت من حاجاتها الضرورية، وقوَّضت أساسات الاقتصاد والقناعة، فشرَّعت سبُلَ الإسراف والحرص والطمع، وأفسحت طريقَ الظلم وارتكاب الحرام، وأشعلَت شوقَ البشر وميلَهم إلى وسائط السفاهة، ممّا دفع بأولئك البائسين المحتاجين نحوَ الكسل، وبدَّدت فيهم رغبةَ السَّعي والعمل، وصرفتهم إلى المُتَع واللهو والسفاهة، فضيَّعت عُمُرَ البشر وصيَّرته هباءً منثورًا.
إضافةً إلى هذا فقد أمرضت هذه المدنيةُ البشر المحتاج الكسول، وغدت بالإسراف وسُوء الاستعمال وسيلةً لسريانِ الأوبئة وانتشارِ مئة نوعٍ من الأمراض.
وبتفشِّي تيّارات الإلحاد في بواطن تلك المدنية، وبانتشار الأمراض الكثيرة المذكِّرة بالموت على الدوام، إضافة إلى تلكم الحاجات الضرورية، والميول نحو الرَّذيلة الخُلُقية.. أظهرت تلك المدنيةُ الموتَ في صورة الإعدام الأبدي أمامَ البشرية التي أفاقت من رقدَتها، وأخذت تُهدِّدُها به باستمرار، فجَرَّعَتها في الدنيا لونًا من عذاب جهنم.
ولا علاجَ لهذا المُصاب البشريِّ الرهيب، والجراحات البشرية الغائرة الثلاث، سوى القرآن الحكيم بما تضمَّنه من قوانينَ سماويةٍ قدسية أساسية، وبتيقُّظِ أربعِ مئة مليونٍ من طلابه وصحوتهم، مثلَما فعل قبل ألفٍ وثلاث مئة سنة، وسيَكفُل للبشرية تحقيقَ السعادة في الحياة الدنيوية والحياة الأُخروية ما لم تقم القيامةُ عن قريب، وسيُغيِّر صورةَ الموت من إعدامٍ أبديٍّ إلى بطاقةِ تسريحٍ إلى عالم النور، وستتغلَّب محاسنُ المدنية الصادرة عنه على سيِّئاتها، وسيجعل من تلك المدنية خادمةً لقوانينه السماوية ومعينةً لها، بدلًا من تقديم تنازلاتٍ من الدِّين رشوةً لكسب بعض المدنية مثلَما يحصل الآن.
يُفهَم هذا كلَّه من إشارات القرآن المعجِزِ البيان ومن رموزِه، وهو ما تسألُه اليومَ تلك البشريّةُ المستيقِظةُ من رُقادها، من الرحمةِ الإلٰهية بتضرُّعٍ ومناشدة.
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭