— 119 —
السؤال الثاني: كنتَ فيما مضى حينما كنتَ تتجوَّل بين العشائر البدوية في الشرق، تحثُّهم وتشجِّعهم على المدنية والرُّقيِّ الحضاريّ، لكنك منذ قُرابة أربعين عامًا انصرفتَ عن الحياة الاجتماعية والمدنية الحاضرة، وصِرتَ تتلفَّظُ بها دون ميم، وآثرتَ العُزلة، فلم ذلك؟
الجواب: لقد سلكَتِ المدنيةُ الغربيةُ الحاضرةُ مسلكًا مخالفًا لأُسس القوانين السماوية، لذا رَجَحت سيِّئاتُها على حسناتها، وأخطاؤها وأضرارُها على منافعها، وفسَدَت المقاصدُ الأصلية المرجوّةُ منها، والمتمثِّلةُ في توفير أمنِ العامة وسعادةِ الحياة الدنيوية؛ ولمَّا حلَّ الإسرافُ والسفاهة محلَّ الاقتصاد والقناعة، وتغلَّب ميلُ الكسل والدَّعة على دافع السَّعي والخدمة، غَدَت البشريّة البائسة في غاية الفقر والكسل.
أما القرآنُ السماويُّ فدستورُه الأساسيُّ يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا، أي: أن سعادة الحياة البشرية تكمُنُ في الاقتصاد وعدم الإسراف، وفي صرف الهِمّة إلى السعي والعمل؛ ومن خلال ذلك يمكن عقدُ مصالحة بين طبقتي البشرية: الخواصِّ والعوامّ.. وبما أن رسائل النور قد أوضحت هذا الأساسَ، فإنَّنا نذكُر هاهنا نُكتةً أو نكتتَينِ منه باختصارٍ:
الأُولى: كان البشر في عهد البداوة تُعوِزُهم ثلاثةُ أو أربعة أشياء، وكان يمكنُ لثمانيةٍ من كلِّ عشَرةٍ توفيرُ هذه الحاجات المعدودة؛ بينما قامت المدنية الغربية الجائرة في الوقت الحاضر بإشاعة الإسراف وسوءِ الاستخدام وإثارة الغرائز، فجعلَت الحوائجَ غيرَ الضرورية في مستوى الضرورية، ما أدَّى لِجَعلِ الإنسان المدني في هذا العصر مفتقِرًا یی بواقع العادات والإدمان یی إلى عشرين حاجةً، مكانَ حاجته إلى الأربعة الضرورية فقط.
— 120 —
والذين بإمكانهم توفيرُ تلك الحاجاتِ العشرين بطريقِ الحلال لا يتعدَّون الاثنين من عشرين، بينما يظلُّ الثمانيةَ عشر الباقون في عدادِ المحتاجين، وهذا يوكِّد أن المدنية الحاضرة قد أدخلت الإنسان في فقر مُدقِع، ودفعت البشر بسبب تلك الحاجة إلى ارتكاب الظلم ومزاولة الكسب الحرام، وشجَّعت على الصراع الدائم والخصام بين طبقة الخواصِّ وطبقة العوامِّ المساكين.
لقد دفعت المدنيةُ المعاصرة البشريةَ إلى التخلِّي عن دستورٍ قرآني أساسيٍّ ومقدَّس، هو: "وجوب الزكاة وحُرمة الربا"، الذي يتحقَّق من خلاله انصياعُ العوام للخواصِّ، وشفقةُ الخواصِّ على العوامِّ؛ فكان أن حَمَلَت البُرجوازيِّين على ارتكاب الظلم، وأرغَمَت الفقراء على التمرُّد عليهم، فأَتَت على راحة البشرية.