— 103 —
إخواني، هذه حقيقةٌ في غاية الأهمية، كُتبت بناءً على إخطارٍ وَرَد، فلتُقدَّم لرئيس الوزراء والنُّواب المتديِّنين إن رأيتم الأمرَ مناسبًا:
المقدِّمة:
لقد أمضيتُ قُرابةَ أربعين عامًا تاركًا السِّياسة، وقضيتُ معظم حياتي مُنزوِيًا فيما يُشبه الخلوة، ولعدم انهماكي في الحياة السياسية والاجتماعية ما كنتُ أُبصرُ خطرًا عظيمًا داهمًا، لكن شعرتُ هذه الأيامَ أن هذا الخطر العظيم يقوم بتهيئة الأسباب لإلحاق عظيم الضرر بالأمة الإسلامية وبهذه البلاد وبالحكومة الإسلامية التي تُدير شؤونَه.
فأجدُني مضطرًّا لبيان ثلاثِ نِقاطٍ وردَت على قلبي بإخطارٍ معنويٍّ، أُخاطبُ بها أربابَ السِّياسة العاملين بهِمّةٍ في مصالح الأُمّة الإسلامية والحاكميّة الإسلامية، والسّاعين بحَمِيّةٍ وغَيرةٍ لصلاح المجتمع وضمان سلامة البلاد.
النقطة الأولى:
رغم أنني لا أُصغي إلى الصُّحف، إلا أنَّه تتكرر على مسمعي منذ سنةٍ أو سنتين عبارة "الاتِّهام بالرجعية"، وقد دقَّقتُ فيها بعقليّة "سعيدٍ القديم"، فأيقنتُ أن أعداء الإسلام المتستِّرين الذين يتَّخِذون السِّياسة أداةً للإلحاد، ويَسعَون لإقرارِ أكثرِ قانونٍ بشريٍّ وحشيةً وبدائيةً، مُتقنِّعين بقناع الحَمِيّة والغَيرة، يقومون بإلصاق هذه التهمة الجائرة بالذين يعملون لخدمة أهل الإسلام بحَميّةٍ دينيةٍ وهمّةٍ إيمانيةٍ، بجعلِ السياسة أداةً للدِّين وتابعةً له، لا جعلِ الدِّين أداةً للسياسة، والذين يَسْعَون لإمداد هذه الحكومة الإسلامية وتقويتِها بقوّة الإسلام المعنوية، وتشكيل قوّةٍ احتياطيةٍ تقِفُ خلفَها قوامُها أربعُ مئة مليونِ أخٍ حقيقيٍّ، للنَّجاةِ من التسوُّل على أبواب الظَّلَمة من الدُّوَل الأوروبّية.
— 104 —
فيَصِمُونهم ظُلمًا بالرجعية، ويتوجَّسون منهم خيفةً، ويتَّهِمونهم بالإضرار بالوطن، وذلك ظلمٌ عظيمٌ يتجاوز مداه الأرضَ ليبلُغَ عنانَ السماوات!
وفي النقطة الثانية توضيحُ أوَّلِ نماذجه، وقد آن أوانُه، ليكون سدًّا منيعًا في مواجهة ظُلم هذا العصر الرهيب؛ فثمّةَ مفهومَا رجعيّةٍ يستند كلٌّ منهما بمنشئه إلى دستورٍ أساسٍ:
الأول: سياسيٌّ واجتماعيٌّ، وهو الرجعية الحقيقية، فلقد أصبح قانونُها الأساسي مبعثًا لكثيرٍ من الظلم وسوء الاستخدام.
الثاني: أساس العدالة والرُّقيِّ الحقيقيّ، لكن أُطلق عليه اسمُ الرجعية.
النقطة الثانية:
إن الذين يَشنُّون هجومًا على الدِّين باسم المدنيّة، يريدون العودة إلى عهود التخلُّف والوحشية والبداوة، من خلال إقرار أحدِ الدساتير التي كانت سائدةً زمنَ بداوة البشرية وهمجيَّتها، وهو دستورٌ وحشيٌّ رهيبٌ يدمِّر سلامة البشر، ويقضي على العدالة والسِّلم العامِّ بينهم؛ إنه الآنَ يُحاول دخولَ وطنِنا المُستَضعَف، والعملَ على تلقيح بذور الحقد والعناد تحت شعارِ التيّارات الحزبية، وها هي بوادر الاختلاف تظهرُ نتائجُها.
ذلكم هو دستور مؤاخذة المجموع بجريرة الفرد.. أن يُدان بجريرةِ فردٍ واحدٍ جميعُ أفرادِ طائفته أو تيّارِه أو عشيرتِه، فيُحمَّلوا المسؤولية كاملةً، وتُسلَّطُ نحوَهم مشاعرُ العَداء، ويضخَّم الخطأُ الواحد ليغدوَ بحُكم الآلاف؛ ممّا يقضي على التآخي والمواطنة والمحبة، التي هي ركائزُ الاتِّفاق والاتِّحاد.
أجل، إن القوى المعاندة والمعارضة التي يُجابِه بعضُها بعضًا تَفقِدُ من قوَّتها، فتغدو عاجزةً عن القيام بخدمة الشعب والوطن والبلاد بصورة عادلة، لذا تُضطَرُّ إلى دفع نوعٍ من الرَّشاوي المادِّية والمعنوية لكسبِ موالاةِ الملحدين ووقوفهم في صفِّها، عبر إقرار قانونٍ ظالم ووحشي وبِدائي، شبيهٍ بقوانين محاكم التفتيش، بدلًا من القانون
— 105 —
السماويِّ المقدَّسِ العادل، الذي ينصُّ على أنه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، هذا القانون الذي يُرسي دعائمَ المحبة والأُخوّة الحقيقية، ويُنقِذ هذا الشَّعب المسلم وهذا الوطن من مخاطرَ عظيمة، إذ ينصُّ على أنه لا يُؤاخذ أحدٌ بجريرة آخَرَ، ولا يُعَدُّ شَريكًا في جنايةٍ ارتكبها، سواءٌ كان أخاه أو عشيرتَه أو طائفتَه أو حزبَه، إلا إن كان مؤيِّدًا لها مُقِرًّا بها، فيكون حينئذٍ مسؤولًا عنها كذنبٍ معنويٍّ لا في الدنيا، بل في الآخرة فقط.
فإن لم يُتَّخذ هذا القانون الأساسيُّ دستورًا أساسيًّا وعاجِلًا، فإن حياةَ المجتمع البشريّ ستتردَّى في مهاوي الرجعية الوحشية إلى أسفلِ دركاتِ السّافلين، مخلِّفةً أضعافَ ما لَحِقَها في الحربَينِ العالميَّتينِ من أضرار.
إن هؤلاء السّاسةَ الأشقياء الذين يطلقون على القانون القرآني القدسيّ اسمَ الرجعية، قد ارتَضَوا قانونَ وحشيّةٍ وبدائيّةٍ فظيعًا، فجعلوه دستورًا لهم ونقطةَ استِنادهم، وهو يَنُصُّ على أن يُضحَّى بالفرد في سبيل سلامة الجماعة، وألّا تُؤخَذ حقوقُ الأشخاص بالاعتبار في سبيل سلامة الوطن، وألّا يُكتَرَثُ للمظالم الجُزئية أمامَ سلامة سياسة الدولة.
وبموجَب هذا تُبادُ قريةٌ بأكملها بجنايةِ مجرمٍ واحد، دون اكتراثٍ بحقوق ألف بريءٍ فيها؛ وتُباحُ تصفيةُ ألف رجلٍ لأجل جانٍ واحد؛ ويُضيَّق على مئة بريءٍ لجُرحٍ أصاب رجلًا؛ وبهذه الذريعة لا يُلتَفَت إلى إعدام مئتَي رجلٍ رميًا بالرَّصاص؛ ويَلقى ثلاثون مليونًا من الأبرياء المساكين حتفَهم في الحرب العالمية الأولى نتيجةَ سياساتٍ خاطئةٍ ارتكبها ثلاثةُ آلاف.. والأمثلة على هذا تُعَدُّ بالآلاف.
إن تلاميذ القرآن يجابهون ظلمَ الرجعية والوحشية هذا، ويعملون على تكريسِ العدالة الحقيقية والاتِّحاد والأُخوّة من خلال الدستور الأساسي التي تُلقِّنه الآيةُ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وهو واحدٌ من مئاتِ دساتيرِ القرآن الأساسية؛ وإن الذين يُطلقون على فدائيي أهل الإيمان لقب "الرجعيِّين"، ويحاولون إدانتَهم، مَثَلُهم كمثل الذي يُفضِّل ظلمَ يزيدَ الملعون على عدالة عُمرَ، ويُفضِّل قانونَ محاكم التفتيش الظالم الوحشيّ على دستور القرآن الأساسي الذي هو مبعثُ رُقيٍّ وعدالةٍ للبشر.
— 106 —
فالواجب على أهل السِّياسة في الحكومة الإسلامية الحريصين على سلامة هذا الوطن، أن يأخذوا هذه الحقيقة بنظر الاعتبار، وبخلاف ذلك فستضعُف تلك القوة بسبب معارضة ثلاثةِ أو أربعةِ تياراتٍ لها وبإصرار، ولن تَقوَى هذه القوّة الضعيفة التي تُصرَف لمنافع البلاد وأَمْنِها واستقرارها على الحفاظ على حاكميَّتها وسُلطتها ولو بالاستبداد المُطلَق، ولن تتمكَّن كذلك من الحفاظ على الاستقرار والسِّلم والأمن العام، ممّا يُنذِرُ باحتمالية تمهيد السُّبُل أمامَ زرع بُذُور ثورةٍ فرنسيةٍ كبرى على أرض هذا الوطن الإسلامي المبارك.
وما دامت الرَّشاوى المعنوية العجيبة تُقدَّمُ مقابلَ إقرارِ السياسة الأجنبية، وتلقِّي المساعدات المؤقَّتة التافهة نتيجةَ الضَّعف وفِقدان القوّة الناجم من عدم الاتِّفاق؛ ولا تَلقَى أُخوّةُ أربع مئة مليونِ أخٍ أدنى اهتمامٍ، ولا يُكتَرَثُ لمَسلَك ملياراتِ الأجداد..
وما دامت معانٍ كهذه هي التي تَحكُم..
وما دامت الرَّشاوى تُعطى في صورة رواتبَ ضخمة، وتُهدَرُ مصاريفُ كبيرةٌ بإسرافٍ وتبذير، حرصًا على الأمن والسياسة من أن ينالَها الضَّرر، وشعورًا بالاضطرار لتوفير تلك القوّة؛ ولا يُؤخَذ فقرُ الشعب ومُعاناتُه بعين الاعتبار..
فاللازم یی بل الألزمُ یی في حقِّ أرباب السياسة القائمين بإدارة شؤون البلاد حاليًّا: أن يَهَبُوا عشَرةَ أضعاف الرِّشوة السياسية والمعنوية التي يقدِّمونها للغرب والأجانب، لأربعِ مئة مليونِ أخٍ مسلم في العالم الإسلامي، ممَّن سيَغدُون في المستقبل بحُكم جمهورياتٍ إسلامية متَّحِدة، كمِنحة عظيمة ورِشوةٍ غير مُضِرّة، من أجل سلامة هذا الوطن والشعب والحكومة الإسلامية.
وتلك الرِّشوة المقبولة والنافعة جدًّا، والمباحة والواجبة، إنَّما هي اتِّخاذُ القوانين القدسية الأساسية منهجًا للعمل وخارطةَ طريق، تلكم القوانين التي هي أُسُس التعاون الإسلامي، والدستور السَّماوي لهديّة القرآن، وروابطُه وقوانينُه الأساسيّة القدسية، والمُتمثِّلة في الآيات:
— 107 —
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾
النقطة الثالثة:
أُرجِئت في الوقت الحاضر.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية:
إخواني..
ثمّةَ ثلاثةُ أمور تستدعي تخفيفَ حِدّة الخطاب الذي أرسلتُ إليكم سابقًا:
أولها: إقرارُ خمسٍ وعشرين محكمةً عدليّةً بعدم وجود أيِّ جرمٍ في "رسائل النُّور"، كما وَضَّح ذلك بطلُ النُّور "خسرو".
ثانيها: ما طالب به محامي النُّور البطل: "بما أن حكومة أنقرة ليست ضد "سعيد"، فيُفضَّلُ تعديلُ الكلمات الخشنة".
ثالثها: حسَبَ ما ورَدَنا من أخبارٍ قطعيةٍ بأنَّ محكمة "أفيون" حين صرَّحت بأن للنُّور ستَّ مئة ألفِ طالبٍ مُضَحٍّ، كان هنالك مُخطَّطٌ لسَوق ستِّ مئةٍ یی على الأقل یی من طلاب النُّور النُّشَطاء الأقوياء إلى المحكمة بذريعة حادثة "ملاطية"، بَيْدَ أنهم لم يعتقلوا سوى ستةَ عشَرَ رجلًا، ولم تَصدُر عقوبةٌ إلا في ستةٍ منهم، وكانت عقوبةُ أحدِ هؤلاء السِّتّة عامًا واحدًا فحسب؛ وفي هذا كُلِّه إشارةٌ إلى تخفيف التضييق الجائر ضدَّ النُّوريِّين وزوالِه.. لأجل هذا تمَّ تعديلُ بعض الكلمات الخشنة.
٭٭٭