لاحقة أمير داغ
— 99 —

هذه الرسالة كتبها الأستاذ سابقًا، ولأنها جوابٌ شافٍ لتُهَم

"كسب النفوذ وجعل الدِّين أداة للسياسة" أُلحقت في لائحة القرارات..
الحقيقة وحدَها هي التي تتكلم
سبق أن بُيِّن في رسائل النور أن بعض الظلم ربما انطوى على عدالةٍ بالغة؛ وذلك أن الإنسان قد يتعرَّض للظلم لسببٍ ما وبغيرِ وجهِ حقٍّ، كأنْ تَنزِلَ به مصيبةٌ أو يُدانَ ويُزجَّ به في غياهب السجن، فيكون هذا السبب على غير حق ويكون هذا ظلمًا في ظاهر الأمر، إلا أن الحدث نفسَه قد يكون في حقيقته مَظهرَ عدالةٍ، إذْ يجازي القدَرُ الإلٰهيُّ هذا الإنسانَ الذي استحق العقاب على أمرٍ ما، فيَسوق له العقابَ على يد ظالمٍ، أو يزُجُّ به في مصيبة.
إنني أفكر اليوم في أمري، فأجدني منذ ثمانٍ وعشرين سنةً أُنفى من ولايةٍ إلى ولاية، وأُشَرَّدُ من بلدةٍ إلى بلدة، وأُساقُ من محكمةٍ إلى محكمة!! فأيُّ جُرمٍ يتَّهمني به مَن يعاملونني بهذا الظلم والأذى؟ أليس هو تهمةَ اتِّخاذ الدين أداةً للسياسة؟ فلماذا يَعجِزون عن إثباتها إذًا؟! بلى، لأنه لا وجود لها في واقع الأمر.
فهذه محكمةٌ تقضي الشهور والسنوات بحثًا عن جرمٍ تُدينُني به فلا تجده، فتتركني لتأخذَني محكمةٌ أخرى فتسوقَني للمحاكمة من جديدٍ حول القضية نفسها وتنشغلَ بها زمنًا، وتُضيِّق عليَّ وتُذيقني ألوانًا من الأذى، ثم لا تخرج من ذلك بطائل، فتتركني لتتلقَّفني محكمةٌ ثالثةٌ وتأخذَ بخناقي؛ وهكذا أتقلَّب بين مصيبةٍ وأخرى، وأتنقَّل بين محنةٍ وأخرى، حتَّى انقضَى من حياتي ثمانيةٌ وعشرون سنةً على هذه الحال، ليتبيَّن لهم في نهاية المطاف أن جميع التُّهم التي وجَّهوها ضِدِّي لا وجودَ لها ولا أساس لها من الصِّحّة.
إنني أفكِّر وأتساءل: أكانت هذه الاتِّهامات صنيعةَ افتراءٍ وتَجَنٍّ؟ أم كان مردُّها مخاوفَ وهواجسَ تجاهي؟ أيًّا كان السبب فإني أعلم علمَ اليقين أنْ لا علاقةَ لي
— 100 —
بها ولا صلةَ لي بها من قريبٍ أو من بعيد، ويعلم جميعُ أهل الإنصاف في الدنيا أنني لستُ بالرجل الذي يتَّخِذُ الدِّين أداةً للسياسة، بل حتى الذين يوجِّهون إليَّ هذه التهمة يعلمون أني بريءٌ منها، فلماذا يُصِرُّون على ظلمهم لي؟ ولماذا أظلُّ عرضةً للظلم والأذى المستمرِّ رغم براءتي وسلامة ذِمَّتي؟ ولماذا لم أستطع الخَلاص من كلِّ هذه المصائب والمحن؟ ألا يُعدُّ هذا مخالِفًا للعدالة الإلٰهية؟
لقد ظلَّت هذه التساؤلات محلَّ تفكيري طَوالَ رُبُعِ قرن، ولم أكن أهتدي إلى جوابٍ لها، لكنني اليوم عرفتُ السبب الحقيقيَّ من وراء ظلمهم إيَّاي وإيذائهم لي، وإنني أقولها بكلِّ أسف: لقد كان ذنبي أنني أردتُ اتِّخاذَ خدمتي القرآنية أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادِّية والمعنوية، وهذا أمرٌ أَعِيه وأشعرُ به اليوم تمامًا، لكنني أحمدُ الله تعالى وأشكرُه بلا حدٍّ أنْ قامَتْ موانِعُ معنويةٌ قويةٌ لا يَدَ لي فيها، كانت تمنعُني طَوالَ هذه السنين من اتِّخاذ خدمتي الإيمانية أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادية والمعنوية، أو وسيلةً للنجاة من العذاب والجحيم، أو حتى وسيلةً لنيل السعادة الأبدية، أو سوى ذلك من المقاصد.
لقد أثارت هذه الخواطر والمشاعر العميقة عَجَبي وحَيرتي، فمع أن كل إنسانٍ يرنو لنيل المقامات المعنوية، ويسعى بالعمل الصالح للفوز بالسعادة الأُخروية، ومع أن التوجُّه لهذه الغايات حقٌّ مشروعٌ لكلِّ أحد، ولا ضررَ منه على أحد، إلا أني لطالما مُنِعتُ من هذه الأحوال قلبًا وروحًا، وأُريتُ أنْ لا مطلبَ أسعى إليه بعد مرضاة الله تعالى سوى تأدية الخدمة الإيمانية بدافع من وظيفتي العِلمية الفطرية؛ ذلك أن الحقائق الإيمانية یی وهي التي ما ينبغي أن تُتَّخَذ أداةً لشيء، أو تكون تابعةً لشيء، بل هي تسمو على كلِّ غايةٍ ومَقصَد یی لا بدَّ أن تُلَقَّنَ في هذا الزمان بعُبوديةٍ فِطريةٍ لِمَن هو بحاجة إلى مَعرِفتها، ولِمَن لم يَتوصَّل إلى مَعرِفتها، تلقينًا يترك بالغَ الأثر، ولا بدَّ لحقائق القرآن أن تُعلَّم على نحوٍ لا تكون معه أداةً لشيء، بل تُعلَّمَ بحيث تُنقِذ إيمان المرء في هذه الدنيا المتقلِّبة المضطربة، وتورِث المعانِدَ اليقينَ القطعيّ، وحقيقٌ بمثل هذا المَسلَك أن يَقصِم ظهرَ الكفر المطلق، ويقطع دابِرَ الضلالة المتمرِّدة المعاندة، ويورِث كلَّ إنسانٍ اقتناعًا قاطعًا.
— 101 —
ولا يمكن لهذه القناعة أن تتحقَّق في هذا الزمان وهذه الظروف إلا بتَيَقُّنِ أن الدِّين لا يُتَّخَذُ أداةً لأيِّ غرضٍ شخصيٍّ، دنيويًّا كان أو أُخرويًّا، ماديًّا كان أو معنويًّا، وإلا فإن مَن يتصدى لمواجهة شخصيةِ الكفرِ والإلحادِ المعنويةِ الناشئةِ عن المنظمات والجمعيات السِّرِّية، لن يقدر على إزالة جميع شبُهات الناس ووساوسِهم وإن حاز أكبر مرتبةٍ معنوية، لأن المعاند الذي يريد الدُّخول في الإيمان يمكن أن تُحدِّثَه نفسُه وأناهُ فتقول: "لقد خدَعَنا هذا الرجلُ بذكائه ومقامه المعنوي المُدهِش"؛ فيبقى تُراوِدُه الوساوسُ والشكوك.
وأحمد الله وأشكره آلافَ المرّاتِ أن القدَر الإلٰهي ما فتئ منذ ثمانٍ وعشرين سنةً ينبِّهني ويوجِّه إليَّ لَطَماتٍ بأيدٍ ظالمةٍ ممَّن اتهموني بأنني أتَّخِذ الدِّين أداةً للسياسة، فكان هذا منه عدالةً محضة، وكان بهذا يُجنِّبني یی دون علمٍ مني یی أن أتَّخذ الدِّينَ أداةً لغرضٍ شخصي، ويقول لي: حَذارِ حَذارِ.. لا تجعل حقائقَ الإيمان أداةً لشخصك.. حتى يفهم المحتاجون إلى الإيمان أن الحقيقة وحدَها هي التي تتكلَّم.. وحتى تتبدَّد أوهامُ النفس وتَسكُت دسائسُ الشيطان.
فهذا هو السرُّ الكامن وراء تأثير رسائل النور الذي يَعتَمِلُ في القلوب والأرواح كأمواج البحار الهادرة.. أجل، هذا هو السرُّ ولا شيء سواه؛ ومع أن الحقائق التي عرَضَتْ لها رسائلُ النور هي نفسُها الحقائق التي عرَضَ لها آلافُ العلماء ونشروها بأسلوبٍ أبلغَ في مئات آلاف الكتب، إلا أن هذه الكتب لم تستطع وقفَ الكفر المطلق، وإذا كانت رسائل النُّور قد وُفِّقَت بدرجةٍ مّا في مقارعة الكفر المطلَق في ظلِّ هذه الظروف العصيبة فإنَّما هو لأجل هذا السر، وإلا فلا وجود لسعيدٍ في هذا الأمر ولا أهليةَ ولا قدرةَ له عليه، وإنما هي الحقيقة.. الحقيقةُ الإيمانية وحدَها هي التي تتكلَّم.
فما دامت أنوار الحقيقة هي التي تفعل فِعلَها في قلوب المحتاجين إلى الإيمان، فَلْيَفدِها ليس سعيدٌ واحد، بل ألفُ سعيدٍ وسعيد، ولْيَهُنْ في سبيلها جميعُ ما قاسيتُه طَوالَ الثماني والعشرين سنةً من الأذى والضَّنك، وما عانَيتُه فيها من الشدائد، وما تعرَّضتُ له من المِحَن، وإنِّي قد أَحلَلْتُ جميعَ الذين ظلموني أو شرَّدوني من مدينةٍ
— 102 —
لأخرى، أو أساؤوا إليَّ، أو سَعَوا لإدانتي بشتَّى أنواع التُّهَم، أو زَجُّوا بي في السُّجون.. أَحْللتُهم جميعًا حقي.
وأقول للقدَر العادل: لقد كنتُ مستحِقًّا لِلَطماتك الرحيمة هذه، وإلا فلو كنتُ سلكتُ السبيل الآخَر كسائر الناس یی وهو سبيلٌ مشروعٌ ولا يتأتَّى منه ضرر یی فقَصَرتُ اهتمامي على نفسي ولم أتخلَّ عن أذواقي من الفيوضات المادية والمعنوية، لخَسِرتُ هذه القوةَ المعنويةَ الكبيرةَ في خدمة الإيمان.
لقد ضحَّيتُ بكلِّ شيءٍ لديَّ ماديًّا كان أو معنويًّا، وتحمَّلتُ كلَّ مصيبة، وصبرتُ على كلِّ أذًى، وبهذا انتشَرَت الحقيقة الإيمانية في كلِّ مكان، وبهذا أيضًا خرَّجَتْ مدارسُ النور یی وهي مدارس علمٍ وعرفان یی مئاتِ الآلاف بل الملايينَ من الطلاب، وهؤلاء هم الذين سيُواصلون العملَ في الخدمة الإيمانية على هذا النهج، ولن يحيدوا عن مسلكي الذي اتَّبعتُه في الاستغناء عن كلِّ شيءٍ ماديًّا كان أو معنويًّا، وسيَعمَلون لا يبتغون بعملهم شيئًا سوى مرضاةِ الله وحدَه.
ولقد تعرَّض معي أيضًا كثيرٌ من طلابي لشتَّى أنواع الأذى والعسف والاضطهاد، وقاسُوا شدائدَ عصيبة، فأطلُب منهم أيضًا أن يحذُوا حَذْوي في الصَّفح عمَّن ظلموهم واضطهدوهم، فهؤلاء الذين أذاقونا الأذى والشدائد قد أَسْدَوا خدمةً جليلةً لنشر الحقائق الإيمانية من حيث لا يعلمون، ومن حيث لم تُدرِك عقولُهم أسرارَ القدَر الإلٰهي، ووظيفتُنا تجاه هؤلاء هي أن نرجُوَ لهم الهداية.
وأُوصي ألّا يَحمِلَ أحدٌ من طُلّابي في قلبه ولو مِقدارَ ذَرّة من هاجِسِ الانتقام إزاءَهم، بل يُبادِرُوا عِوضًا من ذلك بالسَّعي لأجل "رسائل النُّور" بثَباتٍ ووَفاءٍ.
إنني جِدُّ مريض، ولا طاقةَ لي على الكتابة ولا الكلام، وربَّما كان هذا آخرَ كلامي، فلا يَنسَ طلابُ النور في المدرسة الزهراء وصيَّتي هذه.
٭٭٭