لاحقة أمير داغ
— 108 —

الدرسُ الذي أعطاه الأستاذ في أميرداغ من "إشارات الإعجاز"

المؤلَّفِ بالعربية لكلٍّ من مرسالِ النُّور صبري، والصِّدِّيق سُلَيمان:
﴿  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
الحمدُ لله ربِّ العالَمين، والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّدِنا محمَّد،
وعلى آلِه وأصحابِه أبدًا دائمًا..
كان مقرَّرًا لی"إشارات الإعجاز" في جزئه الأول أن يَبلُغ سبعين جزءًا، إلا أنه لمَّا كانت "رسائل النور" تفسيرًا معنويًّا للقرآن، انبَرَت قائلةً: إن الحاجة إليَّ في هذا الزمان أشدُّ! فأُلِّفَت هي عوضًا عن بقية الأجزاء.
أجل، تَظهرُ "إشارات الإعجاز" كفِهرِسٍ ومخطَّطٍ لجميع رسائل النور، ومَغرِسٍ لبستان النور، ومنبعٍ لسِرِّ إعجاز القرآن؛ ولكون الكتاب دقيقَ المعاني عميقَها، لم يتمكَّن العلماءُ حتى اليوم من فهمِ سوى جزءٍ يسيرٍ منه، بيدَ أنه ما وقفَ عليه أحدٌ إلا نال استحسانَه وتقديرَه، وصرَّح أنْ لا نظيرَ له.
وإن مشاهدةَ أدقِّ مناسبات الإيجاز في الإعجاز، في غمار الحرب العالمية الرهيبة، وعلى خطِّ التَّماسِّ مع العدو، وعلى صهوة الجواد أحيانًا؛ والانصرافَ إليها بشكل تامٍّ؛ وعدمَ تشوُّشِ الذهن بالمخاطر الهائلة للحرب العالمية، ووَضْعَ مناسبات الإيجاز الدقيقة ضمنَ الأولويات على جبهة القتال وفي برودةٍ تَبلُغ درجةَ التجمُّد.. ما هي إلا تضحيةٌ خارقة قدَّمها "سعيدٌ القديم" في سبيل خدمة القرآن.
وإننا نَعُدُّ التضحياتِ العِلميةَ والمعنوية التي بذلها "سعيدٌ القديم" أثناء كتابته نِكاتِ "إشارات الإعجاز" دون الاكتراثِ بالمخاطر في ذلك الزمن العجيب، أمرًا أعظمَ من التضحيات التي قام بها "سعيدٌ الجديد" خلالَ ثلاثين عامًا في هذا الزمن العجيب، من قبيل إعراضه عن مطالعة الجرائد خمسةً وثلاثين عامًا، وعُزوفِه عن
— 109 —
متابعة أخبارِ الحرب العالمية الثانية یی وحتى السؤالِ عنها یی عشَرةَ أعوام، وعدم تخلِّيه عن كتابة أسرار القرآن في السُّجون التي زُجَّ بها بغرض تقديمه للإعدام، وتجاهلِه لعموم المخاطر المُحدِقة به.
ثانيًا: في النسخة المطبوعة من "إشارات الإعجاز" كرامةٌ لا يَشوبُها أيُّ احتمالٍ للمُصادفة، لذا استُحسِنَ طباعتُها مرّةً أخرى بذات الشكل والقَطعِ ذي الكرامات، ومن ثمَّ إرسالُها إلى أماكن عدّةٍ كالبلاد العربية وباكستان.. غيرَ أن "سعيدًا القديم" بيَّن الإيجاز الذي في الإعجاز، وعبَّر عن أدقِّ المناسبات البلاغية بجُملٍ دقيقةٍ وجيزة، ممّا يستدعي إيضاحَ تلك الجمل وترجمتَها إلى اللغة التركية.
وإحدى خوارق "إشارات الإعجاز": أنها تكشفُ مناسبةَ كلِّ آية للآيات الأخرى، وكذا مناسبةَ جُملِ كلِّ آية بعضِها مع بعض، ونظامَها، ونسبةَ حروف كلِّ جملة وهيئاتِها وتوجُّهَها تجاه المعنى المقصود، فتَظهَر بذلك لَمْعةٌ إعجازيةٌ لانتظام الآيات، ونظام الجمل، ونَظْم هيئة كلِّ جملة.
وكأنه يبيِّن النِّكات التي في ذلك النظم والحقائقَ التي فيه بالبراهين، حتى إنه يعبِّر أحيانًا عن حقيقةٍ عظيمةٍ في ثنايا الحرف الواحد، مَثلُها كمَثَل المِيل الذي يَعُدُّ ثوانيَ الساعة، وعقربِ الدقائق الذي يُحصي دقائقَها، وعقربِ الساعة الذي يَضبطُ ساعاتها.
كما يُثبت حقيقةَ كلِّ آية على نحوٍ في غاية الإيجاز، وبحُججٍ قطعية، حتى بات اليومَ بحُكم نُوًى وخلاصة لمئةٍ وثلاثين رسالةً.
إنه يعرِض بلا استثناءٍ نِكاتَ الجملة، ونكاتَ الهيئات والحروف الموجودة فيها، والأحكامَ الضِّمنية التي تُعبِّر عنها.. يعرض ذلك كلَّه وَفقَ القواعد الدقيقة لعلم البلاغة، ووَفق قواعد علم النحو والصرف، وقوانين علم المنطق وأصول الدين، وغيرها من العلوم؛ حتى إنه يسلِّط الضوء بآلة معنوية على المناسبات البلاغية الدقيقة الخفية، ويُظهر أَماراتِها.
— 110 —
ولمّا كان نظَرُ القرآن كُلِّيًّا، فبالإمكان القول: إن الألفاظ القرآنية القُدسية ستُشير إشاراتٍ ضِمنيةً ورمزيةً، وسترشدُ إلى جميع النِّكات والمعاني الحقّة التي تمَّ إيضاحُها.
خسرو، صونغُر، خيري،
صادق، صبري، صدِّيق سليمان
٭٭٭