— 89 —
أعرض الأمرَ التاليَ على أعضاء مجلس الشعب المتديِّنين الغيارى المحبِّين للوطن:
إن بعض أجزاءِ "رسائل النُّور" كمجموعة "المعجزات القرآنية: ذو الفَقار" التي شاهدها الحُجّاجُ تُوضعُ إلى جانب الحجر الأسود في مكة المكرمة تقديرًا لها، وكمجموعة "عصا موسى" التي شُوهدت عند قبر النبيِّ (ص) في المدينة المنوَّرة.. أضحت وسيلةَ مؤاخاةٍ حقيقيةٍ لنا مع العالم الإسلامي؛ غير أن هذه المجموعات تمَّت مصادرتُها منذ أربع سنوات، وصُنِّفتْ كمنشورات مُضرّة، وأُلقيَتْ ضمنَ مُستودَعات المحاكم كي تَتلَف؛ رغم إعلانِ أربعِ محاكم براءتَها وحُرِّيتَها، ورغمَ مُطالبتِنا الجهات الرسميةَ بها مرّاتٍ وتقديم عريضةٍ بذلك، ورغم تصريحِ رئيس الوزراء بالقول: "لم يَنَل هذا الوطنَ حتى اليوم أيُّ ضرر من هذه الدعايات والمنشورات الدينية".
وبينما كان ينبغي التعجيلُ بتصديق القانون الذي يقضي بحُرِّية هؤلاء المتديِّنين وإعلانُه، إذا به يؤخَّر ويؤجَّل، ممّا دفع كثيرًا من أفراد الأُمّة إلى الظَّنِّ أنَّ النُّوّاب المتديِّنين لا يقومون بأداء أهمِّ وظيفةٍ تقع على عاتقهم، فولَّد الأمرُ قلقًا بين المتديِّنين، وقلقًا لدينا كذلك، وهو ما اضطرَّني لبيان الحقيقة التالية لكم كيلا يَستغلَّ هذا الوضعَ مُلحِدو الداخل والخارج، والخونة الذين يعملون لحساب الشيوعيّة.
— 90 —
والحقيقةُ هي: تذكير النُّوّاب المتديِّنين من الحزب الديمقراطي بحقيقةٍ أدركتُها بتجارِبي الكثيرة، وهي أن الهواء والأرض أظهرا أوضاعًا مخالفةً للعادة نتيجةَ خطيئة عموميّة، من قبيل الإخبار عن الغضب الإلٰهي بالزلازل والعواصف، لدرجة أنني یی مع ما نزل بي من المرض یی لم أحتمل شدّةَ الشتاء في هذه الأيام.
فقرأتُ في هذا الأمر یی أي: اشتدادِ الشتاء یی عاصفةً معنوية، وورد إلى قلبي تساؤلٌ: هل وقع خطأٌ عامٌّ مّا ينعكس بالضرر على الإسلام والحقائق الإيمانية؟! ورغم هجري سياسةَ الدنيا إلا أني سألتُ على غير عادتي: ما الذي يجري؟ بماذا تُخبِرُ الصُّحفُ؟ فقيل لي: لقد تأجَّل إصدار القانون الذي يقضي بإطلاق سراح المتديِّنين الذين يروِّجون لدعاياتٍ دينية، بينما تمَّ التعجيلُ بتصديق القانون الخاصّ باليساريين.
فورد إلى قلبي: إن من مصلحة هذا الوطن والإسلام قبل كل شيء الإسراعُ بتصديق قانون حرِّية المتديِّنين، وكذا تطبيقُ قرار إدخال الموادِّ الدينية في المدراس بشكل فوريٍّ، لأن هذا القرار يُكسِب هذا الوطنَ قوّةً معنويةً لقُرابة أربعين مليونَ مسلمٍ في روسيا، وأربعِ مئة مليون مسلمٍ في العالم الإسلامي، كقوّةٍ احتياطيّة.
أضف إلى ذلك: أنَّ الحقائق القرآنية والإيمانية هي التي أوقفت یی بيقينٍ لا شبهة فيه یی اعتداءَات الروس علينا بالتخريب المعنوي الذي تُنتجُه الشيوعية، تلك الاعتداءاتِ التي كانت أولويةً لهم بمقتضى عَداءٍ يُضمرُونه لنا منذ ألف عام، قبل مواجهة أمريكا وإنكلترا.
فما دام الأمر كذلك، فاللازم بل الألزم في هذا الوطن وقبل كل شيء التمسُّكُ بالحقائق الإيمانية والقرآنية بشكل فعليٍّ في مواجهةِ تلك القوّة الرهيبة، ولتكون سدًّا قرآنيًّا منيعًا كسدِّ "ذي القرنين" أمام الإلحاد الذي تمكَّن من ابتلاع روسيا ونصف الصين ونصف أوروبّا، إلا أنه عجز حتى اليوم عن التوغُّل والانتشار بيننا، إذ تصدَّت له الحقائق الإيمانية والقرآنية وأوقفت مدَّه.
— 91 —
وإن مواجهة القوة المعنوية للرُّوس التي هي نوعٌ من التخريب، لا ينفعُ فيها مجرَّدُ إنزالِ الجهات القضائية عقوبةً مادِّيةً بسيطةً بشخصٍ واحدٍ من ألفٍ، إذ إنَّ تلك القوة التي سَلَّطتِ الرِّعاع والفقراء على أموال الأغنياء، وأباحت للشباب الماجن أعراضَ بنات الأشراف وعوائلَهم، واستولت في زمنٍ قصيرٍ على شطر أوروبا.. يلزم لمواجهتها قنابلُ معنوية، وما من قوّةٍ قادرةٍ على صدِّ التيّار اليساريِّ الرهيب یی كالقنابلِ الذَّرِّية یی سوى الحقائق القرآنية والإيمانية؛ وبدون ذلك فلن يُوضَع حدٌّ لهذه القوّة الكُلِّية بإجراءاتٍ مادِّيةٍ من قبيلِ إنزال القضاء عقوبةً على واحدٍ بالمئة.
ولهذا فإن الكُرة الهوائية تعترضُ مجدَّدًا بشدة البرد، على تأخير أعضاء مجلس الشعب المتديِّنين لهذه الحقيقة التي كان ينبغي المبادرةُ إليها.. الأمرُ الذي شاهدناه بتجارِبَ كثيرة.
إن الصَّحوة القويّة واليقظة التامة التي تولَّدت لدى البشر نتيجة الحربين العالميتَينِ الرهيبتَينِ، تُؤكِّد بشكلٍ قاطعٍ أنه لا يمكن لأُمّة أن تَحيا بلا دين، حتى روسيا لن تظلَّ على الإلحاد، ولن ترجعَ إلى الماضي فتعودَ نصرانيّة، وإذْ قد تَقرَّر ذلك فلا بدَّ لها أن تتَّبع القرآن، أو أن تعقدَ مصالحةً معه، إذ هو وحدَه المُحطِّمُ للكفر المُطلَق، والمُرتكِزُ على الحق والحقيقة، والمُستنِدُ إلى الدليل والحُجّة، والمُقنِعُ للقلب والعقل؛ وحينها لن تُشهِر روسيا سلاحَها في وجه أربعِ مئةِ مليونِ مسلم.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭