لاحقة أمير داغ
— 85 —
إخواني الأعزاء الأوفياء المتفكِّرين..
أولًا: لقد بتُّ على قناعةٍ قطعيّةٍ وبأماراتٍ كثيرة.. أن خِداع المُلحدين العاملين في الخفاء لبعض المسؤولين الرسميِّين بإصرارهم على جعل رسالة "المرشد" فقط من بين الرسائل الكبيرة الخاصة بالنُّور مدارَ التُّهمة، وتضييقَهم عليَّ منذ عامٍ ونصف، إنما سببُ ذلك كلِّه هو: "نُكتة هو" الموجودة في رسالة "المرشد"، لأن سِرَّ التوحيد الذي كشَفَتْه "نكتةُ هو" يُحطِّم الكفر المطلق بصورةٍ قطعيةٍ وبدَهِيّة، حتى لا يدعُ في تفاصيله مجالًا لأيِّ شكٍّ أو شُبهة؛ وحين عجز المُلحدون العاملون في الخفاء عن إيجاد وسيلةٍ لمواجهتها، لجؤوا لوضع عوائقَ للحيلولة دون انتشارِها من خلال استصدار قرارٍ رسميّ بذلك.
وقد تحدَّثتُ قبل يومٍ عن جملةٍ من النِّقاط الكثيرة لی"نكتة هو" في أحدِ الدروس لأركان "المدرسة الزهراء"، وها أنا أُبيِّن لكم منها ثلاث نقاط فقط:
النقطة الأولى: إن إحدى الوظائف المُهِمّة السّامية لعنصر الهواء، هي كونُه بسرِّ قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ صحيفةً متبدِّلةً لقلم القدرة الإلٰهيّة، تَنقُل الكلماتِ الإيمانيةَ الطيِّبة ذاتَ المعاني والحقائق بعد استنساخها بقلم القدَر وانتشارها بإذنٍ إلٰهيّ، كي يُسمِعَها الملائكةَ والروحانيِّين في كرة الهواء كلِّها، وصُولًا بها إلى جهة العرش الأعظم.
فما دامت أقدسُ وظيفةٍ للهواء وأهمُّ حِكمِ خِلقته هي هذه، وما دام سطحُ الكرة الأرضية غدا بمثابة منزلٍ واحد من خلال المذياع یی تلك النِّعمة الإلٰهية العظيمة المُسداة للبشريّة یی فلا بدَّ للبشرية إذًا حِيالَ هذه النعمة العظيمة أن تستخدمَها قبل كل شيء لنشر الكلم الطيِّب، وفي مقدِّمته القرآنُ الحكيم وحقائقُه، ودروسُ الإيمان والأخلاق الحسنة، والكلامُ اللازم لحياة البشرية مما يعود عليها بالنفع، ليكون هذا الاستخدامُ مظهَرَ شُكرٍ عامٍّ لتلك النعمة؛ وإلا فإن لم تُقابَل النعمةُ بالشُّكر عادت على البشر بالضُّر.
— 86 —
أجل، فكما أن البشر بحاجةٍ إلى الحقيقة، كذلك لهم احتياجٌ إلى الترفُّه واللَّهو المُمتع، لكن هذه الرفاهة المُمتعة يجب ألا تتعدَّى الخُمُس، وإلا كانت منافيةً لسرِّ حكمة الهواء، وتصبح حينَها مدعاةً للكسل والتحلُّل والتقصير في أداء الوظائف الضرورية بل إهمالِها، فتنقلبُ هذه النعمة العظمى یی الإذاعة یی نقمةً عُظمى، بما تسبَّبت به من تثبيط الهِمم عن السَّعي المطلوب.
ولقد نظرتُ في جهاز المذياع یی هذا الوعاء الخشبيِّ الذي أُحضر إلى منزلي لأستمع بواسطته إلى القرآن یی فلاحظتُ أن حصّةَ الكلمات الطيِّبة فيه بمقدار العُشْرِ فقط، ورأيتُ في الأمر خطأً بشريًّا فادحًا، وسيُصلِحُ البشرُ یی بإذن الله تعالى یی هذا الخطأ، لتكون حِصّةُ الكلمات الطيِّبة التي تُصرَف لحياة البشر الأبدية أربعةَ أخماس جميع الحصص، كنوعِ شُكرٍ لنعمة المذياع التي أصبحت وسيلةً لجعلِ سطحِ الأرض كلِّه في حُكمِ مجلسٍ منوَّرٍ ومنزلٍ سامٍ ومدرسةٍ إيمانية.
النقطة الثانية: ورد في رسائل النور: "إن من لا يقدرُ أن يخلُق الكون، لا يمكنُه أن يخلُق ذرّةً واحدة؛ وإن الذي يخلُق الذرّة في موضعها المناسب، ويستخدِمها في وظائفها بانتظام، لا يمكن أن يكون سوى خالق الكون".. وإحدى الحُجج الجزئية لهذه الجملة من بين حججها الكلية:
أن جهاز المذياع الذي هو وعاءٌ لمختلِفِ الكلمات ومِحفظةٌ لها ويحتوي على ذراتٍ من الهواء، يُبيِّنُ بشكلٍ قطعيٍّ أنه حتى تَرِدَ إلى أسماعنا كلمةٌ قرآنيةٌ واحدةٌ كی"الحمد لله" بحروفها التامّة وبلهجتها وبصوت قارئها الخاصّ، وفي اللحظة نفسها ودون تغيُّر، عبر ذرات حفنة الهواء الموجود في هذه الآلة، ومن المراكز البالغ عددُها قرابةَ مئتي مركز بحسَب قائمة محطّات الإذاعة التي بين أيدينا، ومن مسافات متفاوتةٍ بدءًا من مسيرةِ ساعة حتى مسيرةِ سنة؛ كما أنَّه يلزم لإيصال الكلمات القرآنية المختلفة بأصواتٍ مختلفة وبلهجاتٍ متنوعة ودون أن يطرأ عليها أيُّ تغيُّر أو خللٍ إلى أسماعنا..
يلزم أن يكون في كلِّ ذرة من ذرّات حفنة الهواء تلك قوّةٌ لا حدَّ لها، وإرادةٌ محيطة، وعلمٌ محيط باللَّهَجات المتنوِّعة لأولئك الحفّاظ الذين يقرؤون في جميع
— 87 —
مراكز الكون، وبصرٌ مُحيط يراهم ويسمعهم جميعًا، وسَمْعٌ يمكنُه سماعُ كلِّ شيء دُفعةً واحدة.. وإلا لَما ظهرت معجزةُ القدرة هذه.
ممّا يعني أن الذرّات الموجودةَ في حفنة الهواء داخل المذياع، لا يُمكنُ أن تكون مظهرًا لمعجزةِ قدرةٍ كتلك، إلا بقُدرةِ مَن هو قديرٌ مطلقٌ وإرادتِه، ومن هو عليمٌ سميعٌ بصيرٌ مُحيطٌ بجميعِ الكون، ولا يَثقُل أو يصعب عليه أيُّ شيء، بل أعظمُ الأشياء أمام قدرته كأصغر الأشياء سهولةً.
وإلا فإن إسنادَ أمر الإيجاد إلى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصَّماء المُتوهَّمِ وجودُها في التموُّجات الهوائية، يعني تصويرَ كلِّ ذرّة من الذرّات في صورة حكيمٍ مطلَق عالمٍ بصيرٍ بكلِّ شيءٍ في الكرة الهوائية على سطح الأرض، قادرٍ على الإيجاد! وما هذا بين المحالات إلا خرافة مستحيلة، بعيدةٌ تمامَ البُعد عن العقل بمئة ألف درجة.
فليأت أهل الضلالة، ولينظروا ما أبعدَ مذهبَهم عن العقل، وما أقربَه من الخرافة!
النقطة الثالثة: أن معجزاتِ القدرة التي تُظهرها حفنةُ الهواء في جهاز المذياع یی هذا الصندوق الذي هو بمثابة أصيصٍ لأزهار الكلمات المعنوية یی تفيدُ الحقيقةَ التالية: "أن كلَّ ذرّة تعرِّف الحقَّ سبحانه بذاتها وصفاتها، وتُثبتُ وُجودَه".
فإن العلماء والحكماء الذين فتَّشوا جنباتِ الكون، وضعوا الكونَ برُمَّته محلَّ نظرِهم حتى استطاعوا إثباتَ وجودِ الواجب الوجود ووَحدَتِه بالدلائل العظيمة الواسعة، وتحصَّلوا بعدها على معرفةِ الله حقًّا؛ والحال أنه مثلما تُظهرُ ذُرَيرةُ زجاجٍ الشمسَ لدى طلوعها وتَدُلُّ عليها تمامًا كما يصنعُ سطحُ البحر؛ فإنَّ كلَّ ذرّة من ذرّاتِ حفنةِ الهواء تُظهِرُ في نفسها بصفات كماله جَلوةَ التوحيد عينَها الظاهرةَ في بحر الكون، بناءً على تلك الحقيقة.
ولأن "رسائل النور" التي هي لَمعةُ الإعجاز المعنويِّ للقرآن الحكيم، أثبتت هذه الحقيقة بتفصيلاتها، فإنَّ النوريَّ المُدقِّقَ لا يضطرُّ لقول: "لا موجود إلا هو" حتى
— 88 —
يحصِّل الحُضورَ الدائم ويتذكَّرَ معرفة الله في كلِّ آنٍ لأجل دوامِ الحضور، كما لا يجدُ النوريُّ حاجةً لترديد: "لا مشهود إلا هو" كما يفعل بعضُ أرباب الحقيقة كي يَنعمَ بالحضور الدائم، إذ تكفيه النافذةُ القدسيةُ للحقيقة السّاطعة الموجودة في:
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
وتوضيحُ هذه الفِقرة العربية القدسية باختصار: أجل، لكلِّ أحدٍ في هذا العالم عالمٌ وكونٌ خاصٌّ به، فكأنَّ هنالك عوالمَ وأكوانًا متداخلةً بعدد ذوي الشعور؛ وحياةُ كل أحدٍ هي عمودُ عالمِه وكونِه ودنياه الخاصّةِ به، كما لو كان لكلِّ واحد مرآةٌ بيده، ووجهُها مقابلَ قصر عظيم، فيصير حينَها كلٌّ مالكًا قصرًا ضمن مرآته، كذلك لكلِّ واحدٍ دنياه الخاصّة.
فيقوم بعض أرباب الحقيقة بإنكار دنياهم الخاصّة تلك بقولهم: "لا موجود إلّا هو"، وتركِ ما سِوى الله سبحانه؛ وبهذا يجدون الحضورَ الدائم بين يديِ الحقِّ سبحانه، ويبلغون المعرفةَ الإلٰهية.
بينما يلجأُ قسمٌ آخرُ من أرباب الحقيقة یی ليجدوا الحضورَ الدائم ويبلغوا المعرفةَ الإلٰهية یی إلى قول: "لا مشهودَ إلّا هو"، فيزجُّون بدنياهم الخاصّة في غياهب سجن النِّسيان، ويُسدِلون عليها ستارَ الفناء، فيحصِّلون دوامَ الحضور، ويجعلون جميع عمُرِهم في حكم نوعٍ من العبادة.
أما في زماننا هذا، فظهر هذا الإعجازُ المعنويُّ للقرآن بسِرِّ:
وفي كل شيء له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
أي: في كلِّ شيء نافذةٌ تُطلُّ على التوحيد، بدءًا من الذرّات وصولًا إلى المَجرّات، وكذلك آياتُ الواحد الأحد یی أي: دَلالاتُه وإشاراتُه یی التي تُعرِّف ذاتَه بصفاته مباشرةً.
ولقد أشارت "نكتة هو" إشارةً مجملةً إلى هذه الحقيقة القدسية یی حقيقة الإيمان والحضور القلبيّ یی وأثبتَتْ "رسائلُ النُّور" تفاصيلَها، في حين بيَّنها أربابُ الحقيقة في
— 89 —
الماضي بدرجةٍ مّا بيانًا مجمَلًا مختصَرًا؛ ما يعني أن زماننا الرَّهيبَ هذا أشدُّ احتياجًا إلى هذه الحقيقة من الأزمنة الماضية، حتى تَحقَّق الإحسانُ بتفصيلاتِ هذه الحقيقة من خلال إعجاز القرآن الحكيم، وكانت "رسائلُ النُّور" النّاشرَ لهذه الحقيقة.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭