لاحقة أمير داغ
— 48 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذا جوابٌ موجزٌ عن سؤالِ أحدِ إخواننا: كيف تَثبُت هذه الكرامة ثبوتًا قطعيًّا بالتوافق؟
الجواب: إذا وُجِد التوافق في شيءٍ فهو أمارةٌ صغيرةٌ تفيد أن فيه قصدًا وإرادة، وأنه ليس مصادفةً؛ فإنْ كان التوافق في عدة جهات، فالأمارة تتقوَّى حينئذٍ؛ فإنْ وقع بين شيئين مخصوصَين يَحُفُّ بهما مئةُ احتمال، وكانا متناسبَين تناسبًا تامًّا، فالإشارةُ
— 49 —
الواردةُ من هذا التوافق تغدو بحكمِ دلالةٍ صريحةٍ تفيد أن هذا التوافق جرى بقصدٍ وإرادةٍ لأجل مقصَدٍ ما، وأنْ لا احتمالَ فيه للمصادفة.
وعلى هذا النحو تمامًا كانت هذه المسألةُ المعراجية، إذْ تَوافَقَ مجيءُ الرحمة ونزولُ الغيث مع ليلةِ الرغائب وليلةِ المعراج بالذات، واختصَّ بهما وبيومَيهِما دون سائر الأيام والليالي التسعة والتسعين التي تَحُفُّ بهما؛ ووافَقَ ذلك تمامَ وقتِ الحاجةِ الشديدة؛ وتَزامَنَ مع إقبال كثيرين هنا على قراءةِ "رسالة المعراج" ونَسْخِها ونشرِها برغبةٍ وهمَّة؛ وتَوافقتْ هاتان الليلتان فيما بينهما بِعدةِ جهات؛ وتَوافَقَ نزولُ الغيث مبشِّرًا بالسُّلوان، ومهدِّدًا برعدٍ عجيبٍ جاء في غيرِ مَوسِمه، مع استغاثةِ الأرض وصُراخها صُراخًا ماديًّا ومعنويًّا لا يمكن الإفصاحُ عنه؛ كما تَوافَقَ تمامًا مع طلبِ أهل الإيمان السُّلوانَ لِما أصابهم من يأس، وطلبِهم تقويةَ القوة المعنوية في مواجهة الوسوسة والضعف الناجمَين عن صَولة الضلالة؛ فضلًا عن تَوافُقٍ آخَر يتمثل في أن عالَم الفضاء والسماوات يُبدي بالغيث الغزير الاحترامَ والإجلالَ للشعائرِ الإسلامية أمثالِ هذه الليالي، وهو بذلك يوبِّخ المستهينين بها قائلًا: إن الكون يحترم هذه الليالي، فلماذا لا تحترمونها أنتم؟!
فكلُّ مَن له ذَرَّةُ إنصافٍ يَعلم أن في هذا الأمر قصدًا وإرادةً خصوصيَّين، وأن فيه لأهل الإيمان عنايةً ورحمةً خصوصيَّتَين، فلا يَحتمل المصادفة بأيةِ جهة.
وإذًا، فكما أن حقيقة المعراج معجزةٌ أحمديةٌ وكرامةٌ كبرى للذات الأحمدية عليه الصلاة والسلام، وكما أن عروجَه إلى السماوات بسُلَّم المعراج أَظهر لأهل السماوات قَدْرَه (ص)، فإنَّ ليلة المعراج في هذا العام قد أَظهرت للأرض ولأهل هذا البلد كرامةً من كراماتها، إذْ بَيَّنتْ ما لها من حرمةٍ وقيمةٍ لدى الكائنات.
٭٭٭