— 46 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. هذا جوابٌ اضطراريٌّ على سؤالٍ يُطرَح من عدةِ جهاتٍ ماديةٍ ومعنوية.
السؤال: لماذا لا تتواصل مع التيارات الموجودة داخلَ البلاد وخارجَها خصوصًا منها الجماعات السياسية؟ ولماذا تجتهد في منع رسائلِ النور وطلابِها من الاتصال بها؟ مع أنك لو تواصلتَ معها وكنتَ على علاقةٍ بها لَدَخل آلافُ الناس في
— 47 —
دائرة رسائل النور فنَشَروا حقائقَها الساطعة، ولَما كنتَ عرضةً لكل هذه التضييقات التي لا مبرِّر لها.
الجواب: إن أهم سببٍ لهذا الاجتناب وعدمِ التواصل هو الإخلاص الذي هو أساسُ مسلكنا، فهو الذي يمنعنا من ذلك، لأن الناسَ في زمان الغفلة هذا یی لا سيما أصحابَ الأفكار المتحزِّبة یی قد اتخذوا كلَّ شيءٍ أداةً لمسلكهم، حتى لقد جعلوا أعمالَهم الدينية والأُخروية أداةً لهذا المسلك الدنيوي، مع أن الحقائق الإيمانية والخدمةَ النُّوريةَ القدسيةَ لا يمكن أن تكون أداةً لشيءٍ في هذا الوجود، ولا يمكن أن تكون لها غايةٌ سوى مرضاة الله تعالى.
والحقيقةُ أن المحافظة على سِرِّ الإخلاص وعدمَ اتخاذ الدين أداةً للدنيا قد بات أمرًا بالغ الصعوبة في هذا الزمان الذي تتصارع فيه التيارات الحالية بتحزُّبٍ شديد؛ وأفضلُ حلٍّ لهذا الأمر هو الاعتمادُ على عنايةِ الله وتوفيقه بدلًا من الاعتماد على قوة التيارات.
وثمة سببٌ آخرُ من الأسباب الكثيرة لاجتنابنا التياراتِ السياسية، ألا وهو الشفقة وتحاشي الظلم والإضرار، وهو أحد الأساساتِ الأربعة لرسائل النور؛ فقد هَيمنَ الظلمُ الشديد في هذه الأيام مصداقًا لقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ، وبات هو السائدَ بدلًا من دستور الإرادة الإلٰهية القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، أي: لا يُؤاخَذ المرءُ ولا يُؤخَذ بجريرةٍ ارتكبها قريبُه ولا غيرُه.
وإن الذي يتصرَّف وَفْقَ مشاعر التحيُّز والتحزُّب، لا يُعادي بجريرةِ المجرم أقرباءَ المجرم فحسب، بل يعادي جماعتَه كلَّها، ولو أمكنه أن يُنزِل بهم ظلمًا لفعل، ولو كانت بيده السُّلطة لقَصَف بجريرةِ رجلٍ واحدٍ قريةً بأكملها.
والحال أنه لا يجوز أن يكون مجرمٌ، ولا مئةُ مجرمٍ، مُسوِّغًا للتضحية بحقِّ بريءٍ واحدٍ أو ظُلمِه؛ فكيف والوضعُ الحاليُّ يَزُجُّ بمئةِ بريءٍ في المهالك بسبب بضعة مجرمين؟! كأنْ يرتكب شخصٌ جريرةً، فيَطالَ القمعُ أبويه الشيخَين الكبيرَين اللذَين لا
— 48 —
حول لهما ولا قوة، وأطفالَه وعيالَه الأبرياءَ المساكين، ويُشرَّدوا ويُناصَبوا العَداء تحيُّزًا وتحزُّبًا!! فهذا بلا شكٍّ منافٍ لمبدأ الشَّفَقة، وإن وجود تياراتٍ متحزِّبةٍ بين المسلمين سيوقِع أمثالَ هؤلاء الأبرياء ضحيةً لمثل هذه المظالم التي لا يمكنهم دَرْؤُها، خصوصًا وأن الأوضاع التي تُسبِّب قيام الثورات والاضطرابات تَنشُر الظلم وتوسِّع دائرتَه.
إن حال أبناء الكفار في الجهاد الديني هي حالُ آبائهم، فيمكن أن يقعوا غنيمةً أو يَدخلوا في مِلْك المسلمين، أما إنْ وُجِد ملحدٌ بين المسلمين فلا يجوز بوجهٍ من الوجوه تملُّكُ أبنائه أو الاعتداءُ على حقوقهم، لأنهم مرتبطون برابطةِ الإسلام وجماعةِ المسلمين، لا برابطة أبيهم الملحد؛ بخلاف أبناء الكفار، فإنهم وإن كانوا من أهل النجاة، إلا أنهم لمَّا كانوا تابعين لآبائهم ومرتبطين بهم في الحقوق وفي الحياة، جاز في الجهاد أن يقعوا أسرى ويُستَرَقُّوا .
السلام على جميع إخواني فردًا فردًا، وأبارك لكم ليلةَ المعراج ذاتَ المغانم الجَمَّة؛ بلِّغوا السيد "رأفت" تعزيتي بالمرحوم "حاجي إبراهيم"، وقولوا له ولمن لهم صلةٌ بالمرحوم: إنه یی رحمه الله یی من طلاب النور، وإنه مشمولٌ بأدعيتهم على الدوام، وأنا كذلك أدعو له دعاءً خاصًّا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭