— 50 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن تأليف رسائل النور يكتمل في سنةِ أربعٍ وستين كما في الإشارات الغيبية الغوثية والعَلَوية، ومعنى هذا أنه لن يكون بعد هذا التاريخ سوى إيضاحاتٍ وحَواشٍ وتتمات؛ وبهذه المناسبة ورَدَ على قلبي أن أُخطِرَكم بنقطتَين:
الأولى: أنه سيكون لرسائل النور طلابٌ يتتلمذون لها بالفطرة وبحسب ظروفِ الزمان، وفي مقدِّمتهم الأطفالُ الأبرياء؛ ذلك أن الطفل إنْ لم يَتَلقَّ في صِغَرِه درسًا إيمانيًّا قويًّا، فسيكون من الصعب على روحِه لاحقًا تَقَبُّلُ أركانِ الإسلامِ والإيمانِ إلا بصعوبةٍ وإشكالٍ شديدَين، بل يَصعُب ذلك عليه صعوبةَ تقبُّلِ شخصٍ غيرِ مسلمٍ الإسلامَ، فيظل غريبًا عنه، لا سيما إن وَجَد أبوَيه غيرَ متديِّنَين، واقتصرتْ تربيةُ ذهنه على العلوم الدنيوية، فتزداد غُربتُه حينئذٍ وتَشتدّ؛ فيكون بلاءً على أبويه في الدنيا، يَستثقل وجودَهما ويتمنى موتَهما عاجلًا بدلَ أن يحترمهما ويَبَرَّهما، ويكون في الآخرة خَصيمًا لهما، يُقاضيهما بدلَ أن يَشفَع لهما، يقول: لِمَ لَمْ تُنقذا إيماني بالتربية الإسلامية؟
وبناءً على هذه الحقيقة فإنَّ أسعدَ الصِّغار هم مَن دخلوا دائرةَ رسائل النور، فكانوا أبناءً بَرَرَةً بآبائهم وأمهاتهم، يحترمونهم ويَخدُمونهم في الدنيا، ويسجِّلون بحسناتهم حسناتٍ لهم في صحائفِ أعمالهم بعد وفاتهم، ويَشفعون لهم في الآخرة كلٌّ بحَسَبه.
أما القسم الثاني من طلاب رسائل النور فهنَّ النساء، إذْ هُنَّ محتاجاتٌ فطرةً إلى رسائل النور، لا سيما مَن تَجافَين منهنَّ عن الدنيا ورَغِبْنَ عنها، وخصوصًا مَن بَلَغْن مِن العمر منهنَّ مبلغًا؛ فرسائلُ النور لهنَّ غذاءٌ معنويٌّ حقيقي؛ لأن أحدَ أُسسِ رسائل النور الأربعةِ: الشَّفَقة، وهي نابعةٌ من مَظهرية اسم "الرحيم"، وهي كذلك إحدى أخَصِّ خصائص المرأة وخميرةُ وظائفها الفطرية.
— 51 —
وأما القسم الثالث، فهم المرضى والشيوخ، فإنهم باعتبار أوضاعهم یی وإنْ لم تكن فطريةً یی محتاجون إلى رسائل النور حاجتَهم إلى الغذاء والدواء؛ ذلك أن رسائلَ النور تُوَضِّح ماهيةَ الحياةِ الدنيويةِ من جهةِ فنائها، وتَعرِضُ الحياةَ الباقيةَ وتُجلِّيها كالشمس، ولهذا فالمرضى والشيوخُ الذين تأذَّت حياتُهم الدنيويةُ بالمرض أو الشيخوخة، وظنُّوا بجهلهم أو بغفلتهم الموتَ إعدامًا، محتاجون إلى رسائل النور أشدَّ الحاجة، إذْ يغترفون منها من السُّلوان والنور ما يجعلهم يُفضِّلون مرضَهم على صِحَّتهم، وشيخوختَهم على شبابهم.
النقطة الثانية التي أُخطِرَتْ: بما أننا قد دخلنا في العام الرابع والستين بحسب التقويم العربي، فإنَّ رسائل النور تكون قد اكتملتْ بورود الإشارة الغيبية؛ فإنْ كان الأمر بحسب التقويم الرومي، فما يزال بين أيدينا سنَتان؛ والحالُ أنه توجد مواضعُ مُهمةٌ ظلَّت مؤجَّلةً لم تُكتَب فيها رسائل، منها على سبيل المثال: المكتوبُ الثلاثون، والمكتوبُ الثاني والثلاثون، واللَّمعةُ الثانية والثلاثون، ونحوُها، فما تزال هذه المراتبُ المهمةُ خالية.
وقد أُخطِر على قلبي أن يكون تفسيرُ "إشارات الإعجاز" المؤلَّفُ والمطبوعُ بالعربية، والذي هو أهمُّ آثار "سعيدٍ القديم"، وفاتحةُ رسائل النور، أن يكون "المكتوبَ الثلاثين"، وقد كان؛ وكذا رسالةُ "لَمعات" التي هي آخرُ ما أَلَّف "سعيدٌ القديم"، وأُلِّفَت في عشرين يومًا من شهر رمضان، وَوَردتْ منظومةً بنفسِها، فقد أُخطِر أن تكون "اللمعةَ الثانيةَ والثلاثين"؛ وكذا المجموعةُ الكبيرةُ المكتوبةُ بالعربية، والمؤلَّفةُ من "قطرة"، و"حبَّة"، و"شَمَّة"، و"ذَرَّة"، و"حَباب"، و"زهرة"، و"شُعلة" وذيولِها، وهي أولُ ما ظهر لقلبِ "سعيدٍ الجديد" من الحقيقة بدرجة الشهود، فقد أُخطِر أن تكون "اللمعةَ الثالثةَ والثلاثين".
كما أُخطِر أن تكون "رسالةُ الثمرة" "الشعاعَ الحادي عشر"، وأن يكون دفاعُ دَنِزْلي "الشعاعَ الثاني عشر"، وأن تكون مجموعةُ مراسلاتِ السجن وما بعدَه "الشعاعَ الثالث عشر"، وأُحيلُ الأمرَ إلى ما يراه إخواني الأعزاء مناسبًا.
— 52 —
إذًا: ما يزال البابُ مفتوحًا في العديد من المراتب، ويمكن أن يُملى علينا مزيدٌ من التتمَّات الحسنة.
سلامي لإخواني الأعزاء فردًا فردًا، أما إخواني في "قَسْطَموني" وما حولها فإني أشاهدهم معي على الدوام كما كنا في السابق، فلا يحزنوا؛ وإن رسائل النور لا تتوقف، بل لها فتوحاتٌ كبيرةٌ من خلف الحِجاب؛ وإنَّ ما لَقِينا من تضييقٍ وتشديدٍ قد عاد بالخير على رسائل النور، إذ لَفتت الأنظار، وباتت تُقرِئ نفسَها في أوساطٍ كثيرة، فلْيَفخر أَخَوانا المُجِدَّان یی الأبُ وابنُه یی بما يَلقَيان من شدةٍ وضيقٍ لا سيما الأب، ولا يَحزُنْهما التوقَّف المؤقَّت هناك، وإن مكانتهما عندي بل عندنا جميعًا محفوظةٌ لم تتغير.
ذكرنا في أول الرسالة أن الفِتية الصغار الأبرياء هم طلابٌ لرسائل النور بالفطرة، فإليكم نموذجًا لذلك، هذا "جَيلان" أُملي عليه هذه الرسالةَ فيكتبها بالحروف المستحدَثة، إذْ لم أستطع الكتابةَ لاعتلالي؛ وهذا طالبٌ آخرُ صغيرٌ هو "عليٌّ" الذي يكتب رسالةً إلى "جَيلان"؛ وطالبٌ ثالثٌ صغيرٌ من طلاب المدرسة النُّورية هو "محمدٌ" الذي كتب هذه المرة رسالةً كاملةً مدقَّقة!! أقول لهم جميعًا: "بارك الله بكم من فِتيةٍ موفَّقين سعداء، وأهنِّئ آباءهم وأمهاتِهم".
٭٭٭