لاحقة أمير داغ
— 69 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء، وأبطالَ النور الشَّباب..
أولًا: نباركُ من صميم أرواحنا وقلوبنا خدمتَكم النورية الجليلة في أماكن مثل أنقرة، لقد أصبحتم بحقٍّ عنصرَ يقظةٍ وصحوةٍ كبيرةٍ بين المثقَّفين وطلّاب المدارس بما يفوق آمالَنا كثيرًا، وإن الخدمة التي قمتم بها في سنةٍ واحدةٍ في مكانٍ مثل أنقرة لا يمكن إنجازُها في عشر سنوات، فاطمئنُّوا وقَرُّوا عينًا بالوظيفة الإيمانية التي أدَّيتُم في مدّة وجيزة، ولا ينبغي لحوادثَ تافهةٍ أن تُشعِرَكم بالوهن أو الإحباط، ولا أن تُضعِف عزائمَكم، بل يجب أن تكون دافعًا للسَّعي الجادِّ أكثر وأكثر.
إن قيامكم بخدمة القرآن والإيمان، وتبنِّيَ طلّابِ الجامعة للأنوارَ بكمال التقدير في مثل تلك الأمكنة، وفي زمنٍ يتصارع فيه أكثرُ من عشرين تيارًا اجتماعيًّا وسياسيًّا من داخلَ البلاد وخارجَها، بدوافعَ مغرِضة ولأغراضٍ شخصية.. أدخل البهجة في نفوس جميع النوريِّين، وسيُبهج العالمَ الإسلامي مستقبلًا إن شاء الله.
فكما أن حراسةَ ساعةٍ في الجُندية تحت وطأةِ ظروفٍ قاسيةٍ تَعدِل عبادةَ سنة، كذلك ما أدَّيتُم أنتم والنوريُّون في جامعة إسطنبول من خدمةٍ جليلةٍ في زمنٍ يسير، مهما كانت ثمراتُها قليلة، إلا أنَّ مكافأتَها عظيمة، فاستبشِروا.. وكما أن تَقَهقُرَ بعضِ الضُّعفاء وتراجُعَهم ينهضُ بعزيمة الشُّجعان، ويحرِّض فيهم عرقَ الشجاعة والحماسة في ساحات الجهاد، فكذلك الأمر لدى فدائيِّي النور، يلزمُ أن تشكِّل هزيمةُ المرتابين النفسيّة وإخفاقُهم دافعًا لزيادة هِمَّتِهم وثباتهم، بل حافزًا للسِّعي والعمل بلهفةٍ وطاقة أكبر.
أجل، إنكم استلهمتُم بفطرتكم حقيقةً مُهِمّةً من حقائق رسائل النور، فضعوا تلك الحقيقة نُصبَ أعيُنكم، وهي: "إن وظيفتَنا هي خدمةُ الإيمان والقرآن بإخلاص، أما إحرازُ التوفيق وتلقِّي الناس بالقبول ودحضُ المعارضين، فتلك شؤونٌ إلٰهية، لا
— 70 —
يحقُّ لنا التدخُّلُ فيها، حتى لو غُلِبنا فلن يُوهن ذلك معنويّاتنا ولن يؤثِّر في خِدمتنا".. كونوا على قناعة من ذلك.
ومن أمثلة ذلك: ما أجاب به أحدُ أبطال الإسلام العِظام "جلال الدين خُوارزم شاه" حين قيل له يومًا: "سوف تنتصر على جنكيز خان"، فردَّ قائلًا: «إن وظيفتَنا هي الجهاد، أما النصر فشأنٌ إلٰهيٌّ، لا أتدخَّل فيه» ، وإنكم بخدمتكم المخلِصة التي تؤدُّونها بثباتٍ دون وهنٍ حتى اليوم، قد اقتديتم بهذا البطل؛ فإياكم والشعورَ بالإحباط حتى لو كانت الاستجابةُ بمقدار واحدٍ أو اثنين بالألف، فربَّما كان ذاك الواحد أو الاثنان بمنزلةِ ألف.
ثانيًا: لقد تحوَّلت الأنظارُ هذه الأيامَ في أنقرة إلى الدُّنيا كثيرًا، ولم يجد الحزب الحاكم بعدُ وقتًا كافيًا لإقناع الناس بتقبُّل مبادئه بصورة تامّة، في حين تسعى أحزابٌ متعدِّدةٌ سعيًا حثيثًا لزيادةِ أنصارها أو سترِ عيوبها، أمّا التيّاراتُ المُعادية للإسلام والقرآن في الخارج فقد وجدت لنفسها بضعةَ أشخاصٍ في الداخل تتحرَّكُ من خلالهم، فيعملون على إثارة الهواجس والأوهام في نفوس بعض العاملين في الخدمة القرآنية یی ممَّن ليسوا على درجةٍ عاليةٍ من التفاني والتضحية، أو لهم نوعُ صلةٍ بالدنيا وولَعٌ بكثرة الأصحاب یی بُغيةَ تشويشِهم وبثِّ الذُّعر فيهم، عبر نشرِ دعاياتٍ مُغرِضة، ولا يألون جُهدًا في العمل على تقويض القوّة المعنوية لدى النوريِّين.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
كنت قد هَمَمتُ اليومَ بكتابة رسالةٍ إليكم، وتعذَّر الأمرُ لسُوء حالتي الصِّحِّية، لكن حضر فجأةً لزيارتي كلٌّ من "مصطفى گُول وإبراهيم گُول"، فكانا لنفسي سُلوانًا واشتِفاءً وأُنسًا، لذلك أوفدتُ أخويَّ هذَين كوكيلَينِ عنِّي لزيارتكم وتهنئتكم وإبلاغكم رسالتي، ولأجل توضيح بضعة أمورٍ أخرى.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 71 —
جواب رئيس الجمهورية "جلال بَيار"
على برقية التهنئة التي بَعَث بها الأستاذُ إليه
بديعَ الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ
أميرداغ
تلقَّيتُ ببالغ السُّرور تَهنِئَتكم المُخلِصةَ، وأشكرُكم عليها جزيلَ الشكر.
جلال بَيار
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
أولًا: تلقَّيتُ باكورةَ محصولِ "المدرسة الزهراء"، وكنت أحتاجُها بشدّة، وكذا المجموعات التي بعث بها البطل "طاهري" باسم زوجته وابنتيه رحمهنَّ الله، وتسلَّمتُ قبلَ أسبوعين "المكتوبات" التي أرسلها مصطفى كاملةً یی وهو خيرُ خلفٍ للمرحوم الحافظ "علي" یی فكان مجيئُها في الوقت المناسب، وأيضًا المجموعةَ المباركة التي استنسخها بيده القائد النُّوريُّ الثابت "رأفت بك"، ورسالتَه الجميلة الذي يتحدَّث فيها عن رؤياه ذات المعاني العميقة.. وقد سُررت بهم كثيرًا.
أسألُ الله أرحمَ الراحمين أن يكتُب لكلٍّ منكم بكلِّ حرفٍ من حروفها ألفَ حسنة، وأن يتغشَّى بآلافِ الرَّحَمات أرواحَ المرحومة خديجة والمرحومة هِجرة والمرحومة عائشة.. آمين.
ثانيًا: ورد في رسالة خسرو الثاني "مصطفى عثمان" أن أخًا لنا اسمُه "صبري" يوَدُّ القدومَ للقيام بخدمتي، ولقد أبهجني كثيرًا بطلبه هذا، واكتفيتُ منه بصادقِ رغبته، فكأنه أدَّى الخدمة شهورًا، لكن لا حاجة الآن لمجيء أحدٍ من خارج المدينة لهذا الغرض، وأنا أُخبرُكم حين يلزم الأمر.
— 72 —
وفي الحقيقة لقد بدأنا نلحظُ في محيط "أفلاني" ظهورَ أبطالٍ نابتة، يَحمِلون رُوح أبطال "إسبارطة" وهِمَّتَهم!
ثالثًا: لقد قبلتُ تبرُّكًا یی وخلافًا لقاعدتي یی قِطْفَ العِنبِ الذي جناه تلميذُ النور وحَجَرُ أساسِه الكاتبُ عثمان، من بستان رسائل النور، والحلوى المباركة التي بعَثَت بها قرية "صاوة" إحدى فروع المدرسة الزهراء ومراكزِها، وقد قبلتُها جبرًا لخواطرِهم، وحين أُقدِّمها لأحدٍ ما فإنِّي سأقدِّمها باسمهم كي ينالوا الأجر.
رابعًا: كنت قد دوَّنتُ في كُرّاسةٍ الفِقْراتِ المُهِمّةَ من رسائل بطل النور "خسرو" التي أرسلها إليَّ يومَ كنتُ في "أميرداغ"، وكانت تحوي على وجه الخصوص الأقسامَ التي تتضمَّنُ خُلاصاتِ الرسائل التي كتبتُها بنفسي، إلا أن أحدَهم أُعجب بها أيّامَ السِّجن، فأعرتُه إيّاها وفقدتُها.. لديَّ الآن منها قرابةُ أربعين رسالةً قديمةً سأُشير إليها إن شاء الله، لكن إن لم نتمكَّن من استنساخها هنا، فسأُرسلها لكم لتُجمع في مِلفٍّ وتُستنسخَ لِأهمِّيَّتها.
خامسًا: كنت قد أرسلت خمسَ عشرةَ مجموعةً من "الكلمات" إلى أنقرة، وأثمرت منافع جَمّة، إذ يقومُ النوريُّون فيها بعمل بطوليٍّ جادٍّ، مع الأخذ بأسبابِ الحيطة والحذر.
سادسًا: قمتُ بتصحيح "المكتوبات" التي طلبها خسرو، وهي غير متوفِّرة لديكم، لكن سأرسلُها مع أحدهم، وقد وجدتُ في هذه المرّة "المكتوب الرابع والعشرين" عينَ حقيقة قيمةٍ، وذاتِ دِقّةٍ وعُمقٍ أكثر.
سلامي للجميع..
الباقي هو الباقي
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭