لاحقة أمير داغ
— 60 —

(خاصة، ومخصوصة بأركان المدرسة الزهراء حاليًّا)

بشرى مُهِمّة للنساء العجائز
وتنبيهٌ للفتيات الشابَّات اللواتي يفضِّلنَ البقاءَ عازباتٍ
يُبيِّن الحديث الشريف القائل: «عليكم بدين العجائز» أن الإيمان الراسخَ في آخر الزمان سيكون لدى عجائز النساء، لذا يُطلِق الحديث الشريف حُكمَه: اقتدوا بدين أولئك النِّسوة المتديِّنات.
ولمّا كان "أساس الشَّفَقة" أحدَ أُسس رسائل النور الأربعة، وكانت النساءُ رائداتِ الشَّفقة، لدرجة أن أشدَّهنَّ خوفًا تُضحِّيَ برُوحها في سبيل صغارِها بكلِّ شجاعة، وكانت تلكم الأُمَّهاتُ والأَخَوات العزيزات يتعرَّضنَ في هذا الزمان لحوادثَ عظيمة.. فقد أُخطر على رُوحي لزومُ بيانِ حقيقةٍ فطريةٍ لبعض الفتيات من طالبات النور الراغبات في الاستمرار في حياة العزوبة أو اللواتي اضطُررنَ إليها، وهي حقيقةٌ من الخصوصية بمكان، ومن غير المُناسب البَوحُ بها، وهي كالآتي:
بناتي.. أخواتي.. إن هذا الزمان لا يُشبه الزمانَ الغابرَ، إذ ترسَّخت التربيةُ المَدَنيةُ الغربيةُ منذ قرابة نصف قرن في الحياة الاجتماعية بدلًا من التربية الإسلامية، وإذا كان ينبغي للرجل أن يتزوج لتكون امرأتُه رفيقةَ حياةٍ أبديةٍ ومبعثًا لسعادة الحياة الدنيوية وليُحْصِنَ نفسه بها من سائر الآثام، فإننا نجدُه يُكِنُّ لها في شبابها حبًّا دنيويًّا مؤقَّتًا، ثمَّ يجعلها تقضي بقيةَ حياتها ذليلةً مسكينةً تحت سطوته وتسلُّطه الدائم، وغالبًا ما يتركُها تُعاني من المشاقِّ والصعوبات عشَرةَ أضعافِ الراحة الجزئية التي منحها إياها.
ولا سيَّما إذا لم يكونا في مستوًى واحدٍ یی وهو ما يُعبَّر عنه في المصطلح الشرعي بی(الكفاءة) یی فإنها تُمضي حياتها كلَّها حينئذٍ في ألمٍ وعذاب، إذ لا تُراعى في حقِّها الحقوقُ الشرعية، وإذا ما احتلَّتِ الغَيرةُ مكانَها ازدادت المعاناة أضعافًا، وساءت الأمور أكثر فأكثر.
— 61 —
إن الذي يدفع إلى الزواج أسبابٌ ثلاثة:
الأول: استمرار النَّسل، فقد أَوجَدَت الحكمةُ الإلٰهية ميلًا وشوقًا فطريَّينِ لتلك الوظيفة، ورتَّبت لأدائها أُجرةً هي اللَّذّة؛ والحال أن تلك اللَّذة التي تستغرقُ مدّة عشرِ دقائق ربما يعاني الرجلُ لأجلها یی إذا ما كانت زواجًا مشروعًا یی مصاعبَ لمدّة ساعة، وأمّا المرأة فإنها تُكابد مشاقَّ حَملِ طفلها في بطنها قرابةَ عشَرةِ أشهر، وعشَرةَ سنوات في سبيل مساعدتِه في حياته، بمعنى أن تلك اللَّذّة التي تستغرق عشرَ دقائق تُسقط من أهمِّيّة هذا الميلِ الفِطريِّ، لأنه يُكلِّفُ متاعبَ ومشاقَّ تَدُوم عشَرةَ أعوام.
فالواجب ألَّا تكون الأحاسيسُ والميولُ النفسيّة والفطرية هي ما يدفَعُها للزواج.
الثاني: الحاجة الفِطرية للمرأة یی نتيجةَ ضَعفِها یی إلى مُعِينٍ لها في تدبير أمور معيشتها، وقد تدفعها هذه الحاجة البسيطة للخضوع لسطوةِ زوجٍ لم ينل حظَّه من التربية الإسلامية في هذا الزمان، واعتاد على التسكُّع والتسلُّط، ولربَّما أدَّى بها الحرصُ على إرضاء غرورِه إلى التصنُّع له والإخلال بعبادتها وأخلاقها التي هي مَدارُ الحياة الدنيوية والأُخروية، لذا فالأسلمُ لها یی والحالةُ تلك یی أن تعملَ على تحصيل نفقاتها بنفسها كحالِ نِساء القُرى.
فكما أن الرزَّاق الحقَّ يسوقُ للصغار رِزقَهم من خلال رَضاعهم الحليب، كذلك يهيِّئُ لهنَّ أرزاقهنَّ برحمته؛ وبناءً عليه فلا يليق بطالبة النور أن تسعى خلف زوجٍ تاركٍ للصلاة، فاقدٍ للأخلاق، فتَخضَعَ لتسلُّطه وتتصنَّعَ له لأجل تحصيل الرِّزق.
الثالث: إن فطرة الأنثى مجبولةٌ على محبّة الصِّغار ومُلاطفَتهم، ويقوِّي هذا الميلَ الفطريَّ خدمةُ ولدِها لها في الدنيا، وشفاعتُه لها في الآخرة، وإيصالُه الحسناتِ لها بعد وفاتها، ممّا يدفعُها إلى الزواج، إلا أن التربية المدنية التي حلَّت محلَّ التربية الإسلامية في وقتنا الحاضر، تجعل واحدًا أو اثنين فقط من كلِّ عشَرةِ أبناءٍ يُقابل شفقةَ والدته بالتفاني في خِدمتها، والحرصِ على مَلء صحائف أعمالها بحسن برِّه وصالح دعائه، والشفاعةِ لها في الآخرة إن كان من الصالحين، بينما يُهمِلُ الثمانيةُ الباقون هذه
— 62 —
الأمورَ؛ لذا يتوجَّب على أولئك الضَّعِيفات المسكينات ألّا يَندفِعنَ بالميل الفطري والشوق النفسي للخوض في حياةٍ عصيبةٍ كهذه إن لم يَضطَرِرْنَ لها.
فبناءً على هذه الحقيقة التي أشرنا إليها أقول للفتيات من طالبات النور ممن يرغبن أن يبقين عازبات: إذا لم تَجِدنَ الزوجَ المتديِّنَ ذا الأخلاق النبيلة المُلائمَ لَكُنَّ، فلا تَبِعنَ أنفسكنَّ بالرُّخص والابتذال، وعليكنَّ بالتريُّث والصبر على حياة العزوبة یی مثلَ بعض طُلّاب النُّور المُضحِّين یی حتى تَجِدن الإنسانَ الكُفءَ اللائقَ بكنَّ، ممن تربَّى التربيةَ الإسلامية، ويصلُح ليكون رفيقَ حياةٍ أبديّة، فلا تُفسِدنَ حياتكنَّ الأخروية لأجل نشوةٍ دنيويةٍ عارضةٍ مؤقَّتة، ولا تُغرِقنَ أنفُسَكنَّ في سيِّئات المَدَنيّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية: على الأخوات والفتيات الشابّات قراءة "رسالة الحجاب".
٭٭٭