لاحقة أمير داغ
— 21 —
باسمه سبحانه
لقد لقي أستاذُنا على مدى خمسٍ وعشرين سنةً خَلَت، ظُلمًا شَديدًا ومضايقاتٍ غيرَ قانونيّة، في ظلِّ استبدادٍ مُطلَقٍ لم يُعرَف له نظيرٌ على وجه الأرض، وبتخطيطِ تيّارِ زندقةٍ إبّانَ حُكم حزب الشعب.
ونَذكر حادثةً واحدةً مثالًا على هذا، وهي أن أستاذَنا خَرَج يومًا بالعربة إلى ضاحية المدينة للتَّنَزُّهِ واستنشاقِ الهواء النقيّ، فأراد أحد المسؤولين الكبار هنا التعرُّضَ له في أمرِ لباسه بوقاحةٍ مُشينةٍ تنُمُّ عن انعدامِ ضميرٍ واجتراءٍ على مخالفة القانون من وجوهٍ شتى.
ونحن نقول: إنَّ هذا الرجل الذي آثر اليومَ العزلةَ والانزواء، لم يَعرف في حياته استكانةً لضَيمٍ أو خنوعًا لإملاء، كيف وهو الذي لم يَحتَمِل تَسلُّطًا يسيرًا من السُّلطان، وهو الذي هتف في المحكمة العُرفيّة زمان المشروطية مُخاطبًا رئيس المحكمة "خورشيد باشا" وأعضاءَها: "إن كانت المشروطيةُ استبدادَ فئةٍ، فليشهدِ الثَّقَلانِ أني رجعيٌّ.. إنني على استعدادٍ لأن أقدِّم ألف رُوحٍ لي یی لو وُجِدَت یی فداءً لحقيقةٍ واحدةٍ من حقائق الشريعة".
وهو الذي قال لی"مصطفى كمال" في مجلس النُّواب: "إنَّ تاركَ الصلاة خائنٌ، وحكم الخائن مردود".
وهو الذي رفض بكل قوةٍ تغييرَ زيِّه الإسلامي، وخاطب "نَوْزاد" والي أنقرة بالقول: "إن هذه العِمامةَ لا تُنزَعُ إلا مع هذا الرأس!"، وذلك حين أراد التعرُّضَ للباسه، فكَفَّ عنه، ثم تلقَّى صفعةً فيما بعد بأن قَتَل نفسَه.
وهو الذي حضر جَلَسات محاكمِ "إسبارطة" و"أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي"، بحضور الآلاف من أفراد الشعب وبوجود العشرات من عناصرِ الشُّرطة، فلم يطلب أحدٌ منه الحَسْرَ عن رأسه.
— 22 —
إنَّ محاولة المَسؤولين المُستهترين الإهانةَ والتعرُّضَ لرجلٍ هذه حاله دون تفكيرٍ بعواقب الأمور، ما هي إلا سعيٌ مُباشَرٌ لِجَرِّ هذا الوطن والشعب إلى المَخاطِرِ المؤدِّية إلى الفَوضَوِيّة، فضلًا عن كونه تصرُّفًا غيرَ قانوني.
ثم إن هذا الرجلٍ يعمل منذ سنين بتجرُّدٍ وتضحيةٍ لا نظير لهما تحت وَطْأة ظروفٍ عصيبة، لتحقيق الاستقلال المعنوي لهذا الوطن والشعب، من خلال مؤلَّفاته الجليلة البديعة المؤلَّفة من (١٣٠) كتابًا، فلا ريب أن التعرُّض له ما هو إلا معاونةٌ بل ارتهانٌ لأعداءِ الوطن العاملين في الخفاءِ، الساعين في استعباد هذا الشعب وتدمير شبابه.
إنَّ تَحمُّلَ أستاذنا ذي النفس الأبيَّة، وعدمَ مبالاته بما يبيِّتُه ذلك المَسؤولُ من نوايا لإذلاله بهذا الأسلوب، الذي تمَّ بتشجيعٍ ومشاركةٍ من شخصٍ ماسونيٍّ في "أفيون" وعددٍ من المُتمرِّدين.. عَلَّمَنا حقيقةً قطعيّةً هي: أن هذا الرجل قد ضَحَّى بعِزَّتِه وشرفه، ونفسه وروحه، وراحتِه، حرصًا على عدم التسبُّبِ بأيِّ ضررٍ لهذا الوطن ولهذا الشعب!
زبير القُونوي
٭٭٭