— 42 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن لی"حزبِ القرآن المعظَّم" خواصَّ كثيرة، منها: أهميتُه وفوائدُه الجليلة فوقَ العادة؛ وطردُ الوسوسة عند قراءته؛ واحتواؤه على أعظمِ آياتِ القرآنِ أجرًا؛ وجَمعُه جميعَ أُسسِ الرسائل النُّورية وحقائقِها؛ وكونُه أنموذجًا قدسيًّا للقرآن بأكمله يَنتفع به كلُّ شخص، لا سيما مَن لا يحفظُ القرآن ومَن لا يتسنَّى له قراءةُ جميعِه في كلِّ وقت؛ وكونُه مبشِّرًا بطبعةِ القرآن ذاتِ التوافقات ومثالًا مُصغَّرًا لها؛ وكشفُه عن إعجازٍ ماديٍّ ولفظيٍّ ومعنويٍّ باهرٍ للقرآن؛ فضلًا عن أنه في هذه الشهور المباركة مَنهلُ بركاتٍ وأنوارٍ ومَثوباتٍ كثيرة، ويعود على العاملين في طبعه ونشره بالخير العظيم.
وقد وقع سهوٌ على نحوٍ ما، فلم تُكتب فيه آيتان هما لرسائل النور نقطتا استنادٍ قدسيتان، ويَنبوعا ماءِ حياةٍ مُشرِقان، وهما قولُه تعالى في سورة آل عمران: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ..، و قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ..، فاكتبوهما فيه.
ثم إني بينما كنتُ أقرأ في هذه الأيام الصحيفةَ الثانيةَ عشْرةَ منه، إذِ استوقفتْني آيةُ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ..، فنظرتُ إلى ما قبلَها فوجدتُ آية: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ..، فنظرتُ إلى الصفحة التي تليها فوجدتُ أربعَ آياتٍ تُشير إلى رسائل النور، سَبَق إيضاحُها في "الشعاع الأول"؛ فوَرَد على قلبي أن هذه الآية المُرَهِّبة لا بدَّ أنها تَنظر یی بشكلٍ أو بآخَر یی نظرًا خاصًّا إلى عصرنا هذا المروِّعِ الشديدِ النِّفاق الضاربِ في الظُّلمات، فدقَّقتُ فيها فحصلتْ لي قناعةٌ بذلك؛ وإحدى أماراتِ ذلك أن حساب الجِفر والأبجد لقوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يوَقِّع بالتوافق على تواريخِ مراتبِ النفاق الأربعة بتمامها.
وذلك أنه إنْ حُسِبَت الشَّدّات، ولم تُحسَب الهمزاتُ غيرُ المقروءة، وكذا الياءُ غيرُ المقروءة في كلمة: فِي، فإن المجموع يساوي ألفًا وثلاثَمئةٍ واثنين وستين، وهو يشير إلى هذه السَّنة.
— 43 —
فإنْ حُسِبتِ النون المشدَّدة التي في جملة: مِنَ النَّارِ نونًا واحدةً، وعُدَّت اللامُ أصليةً، كان المجموع ألفًا وثلاثَمئةٍ واثنين وأربعين، وهذا يُخبِر بتوافقٍ تامٍّ عن تاريخ الحرب العالمية الأولى التي أنتجت نِفاقاتٍ رهيبة.
فإن حُسِبت النون المشدَّدة نونَين، وحُسِبتْ أيضًا تلك الياء والهمزات غيرُ المقروءة، كان المجموع ألفًا وثلاثَمئةٍ وستًّا وسبعين، وهو يخبر عن مرتبةِ سقوطِ هذا النفاقِ الضاربِ في الظُّلمات، موافِقًا لها بتمامها، وموافِقًا یی بأربعة فروق یی للألْف والثلاثمئة والاثنين والسبعين الذي هو المقامُ الجِفريُّ لكلمة "الظُّلمات" المُقابَلةِ بی"النور" في آياتٍ كثيرة.
فإنْ حُسِبتِ الحروف غيرُ المقروءة، وكانت الشَّدَّة التي في كلمة النَّارِ لامًا أصلية، كان المجموع ألفًا وثلاثَمئةٍ وستةً وخمسين، وهو يشير بتوافقٍ تامٍّ إلى تاريخِ أعاصيرِ الكفر والنِّفاق الرهيبة.
نعم، فالراءان أربعمئة، والفاءاتُ الثلاثُ مع لامَين ثلاثُمئة، والقاف مع النُّونَين المشدَّدتَين ثلاثُمئة، والميم والسين مئة، والميم الأخرى مع ياءٍ ونونٍ مئة، ثم النونان كذلك مئة، فمجموعُ ما سبق ألفٌ وثلاثُمئة؛ ثم اللامُ والكافُ خمسون، والدالُ المشدَّدة ثمانية، والمَدَّتان والهمزتان أربعة، فالمجموع ألفٌ وثلاثُمئةٍ واثنان وستون، وعلى هذا فقِسِ الأعداد الثلاثة الأخرى.
ثم إني أمعنتُ النظر في الصحيفتَين الثانيةِ عشْرة والثالثةَ عشْرة، فوجدتهما تنطبقان على رسائل النور وطلابِها ومُعارضيها بحيث لا تَرمِز إلى ذلك كلِّه بمجرَّد المعنى الإشاري، بل تنظر بالمعنى الصريح إلى هذا العصر نظرًا خاصًّا، وتُدخِله فردًا ممتازًا في معناها الكلي، هذا ما أدركتُه قطعًا، فشكرتُ الله بلا حدٍّ؛ وعَلِمتُ أنه ينبغي أن نفرح ونَشكر في طَيِّ الصبر، إذْ ما أصابنا حتى اليومِ من بلايا في هذه الخدمة النورية، إنما هو هَيِّنٌ يسيرٌ ولو تضاعَفَ مئةَ درجة، بل نحن رابحون، فهذه البلايا التي تُكَسِّر زجاجاتنا التافهة وتُحطِّم خَزفَنا الفاني، إنما تُكسِبُنا ألماسًا أُخرويًّا باقيًا.
— 44 —
وأُبشِّركم أن تسميمهم إياي للمرة الثامنة قد باء بالفشل أيضًا، وتحقَّقتْ تأميناتُ الغوث الأعظم: "فإنك محروسٌ بعَينِ العناية".
أسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا، وأدعو لهم، وأطلب منهم الدعاء في هذه الشهور الثلاثة المباركة.
أخوكم الراجي من صميم روحه الدعواتِ الطاهرة من الأطفال الأبرياء
والشيوخ المباركين الذين لا تُرَدُّ أيديهم خائبة
وما أكثرهم في دائرة النور!
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭