لاحقة أمير داغ
— 39 —
باسمه سبحانه
جوابٌ على سؤالِ فتًى طالبِ نورٍ يَخدُمني، سألَه بالنيابة عن كثيرين
سؤال: أستاذي.. لَمْ تَظهر نتائجُ صلاة الاستسقاء ودعائه، ولَم تتحقَّق فائدتُهما.. لقد تجمَّعت السُّحُب أكثر من مرةٍ ثم تفرَّقتْ من غير أن ينزل مطر!! فلِمَ ذلك؟
الجواب: إن انقطاع المطر هو وقتُ هذا النوع من الدعاء والصلاة، وليس عِلَّتَه ولا حكمتَه؛ فكما أنه عند الخسوف أو الكسوف تؤدَّى صلاة الخسوف والكسوف، وكما أنه بغروب الشمس تؤدَّى صلاةُ المغرب، فكذلك القحطُ وانقطاعُ المطر، هو وقتُ صلاة الاستسقاء ودعائه.
وسببُ العبادةِ والدعاء: الأمرُ الإلٰهي، ونتيجتُها: مرضاةُ الله تعالى، وفائدتُها أُخروية؛ وإلا فإنْ كانت النيةُ من الصلاةِ والعبادةِ مقاصدَ دنيوية، فأُدِّيَت لأجلها لا غير، بطَلَتْ؛ فصلاةُ المغرب مثلًا لا تؤدى لأجل ألَّا تغيب الشمس، وصلاةُ الخسوف لا تؤدَّى لأجل أن ينجليَ القمر، وكذلك هذا النوعُ من العبادة، فمِن الخطأ أن تؤدَّى لأجل استجلاب المطر، فإنَّ إنزال المطر شأنُ الله عز وجل، ونحن إنما نؤدِّي وظيفتَنا ولا نتدخل في شؤونه سبحانه.
صحيحٌ أن النتيجة الظاهرية لصلاة الاستسقاء هي نزول المطر، إلا أن نتيجتَها الأصلية الحقيقية التي هي أنفعُ نتائجها، وأجملُ ثمراتها وأحلاها، هي أن يَفهم كلُّ شخصٍ من خلال وضعيتها أن الذي يعطيه نفقتَه ليس أباه ولا أملاكَه ولا متجرَه، كلَّا.. بل إنما يُطعِمُه ويُعطيه نفقتَه مَن يتصرَّف في السَّحاب الثِّقال كأنها إسفنجةٌ، ويتصرَّف في وجه الأرض كأنه حقل، فذلك هو مَن يَغْذُوه ويرزقه.
وهذا المعنى الواسعُ العظيمُ الذي يَتضمَّنه دعاء الاستسقاء، يمكن أن يَفهمه حتى الطفلُ الصغيرُ الذي اعتاد أن يتضرَّع إلى أمِّه كلما دَهَمَه الجوع، فإنه يمكنه بفكره الصغير إدراكُ أن مَن يدير أمور هذا العالَم كما لو أنه بيت، هو مَن يَغْذُوني ويَغْذُو كلَّ
— 40 —
الصِّغار وأمهاتِهم، وهو مَن يرزقني ويرزقُهم، فإنْ هو لم يُعطِ فلا فائدة تُرجى مِن غيرِه، وما دام الأمر كذلك فعلينا أن نتضرَّع إليه؛ وبهذا يغدو طفلًا تامَّ الإيمان.
وبهذه المناسبة نبيِّن ستَّ نقاطٍ بإيجاز:
النقطة الأولى: إن ثَمَن النعمة والرحمة الإلٰهية هو الشكر، لكننا لم نؤدِّ الشكرَ حقَّ الأداء؛ نعم، بل كما لم نؤدِّ ثمنَ الرحمة بالشكر، رُحنا بظلمنا وعصياننا نستجلب الغضب؛ وإن البشر اليوم بكفرهم وعصيانهم وظلمهم وإفسادهم في الأرض قد جعلوا أنفسَهم مستحقِّين للصَّفْع، وقد تلقَّوا حقًّا صَفَعاتٍ مروِّعة، ولا جَرَمَ أنْ سيكون لنا نصيبٌ منها.
النقطة الثانية: وَرَدَ في الأثر أنه حتى الأسماك في جوف البحر تشكو من العُصاة والظَّلَمة فتقول: بسببهم يُحبَسُ المطر، بل بسببهم تَنقُصُ أرزاقُنا.
نعم، ففي هذا الزمان تقع مَعاصٍ ومظالمُ نَخجل معها من طلب الرحمة.. كيف والحيواناتُ البريئةُ تُقاسي من جرَّائها العذاب؟!
النقطة الثالثة: تقول الآية: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، أي: اِتقوا مصيبةً إنْ وقعتْ فلن تقتصر على الظالمين وحدَهم، بل سيكتوي بنارِها المظلومون والأبرياء.
لأنه لو بقي الأبرياءُ بمنأًى عن جحيمِ المصيبة العامة، وسَلِموا منها سلامةً خارقةً للعادة، لبَطَلَت حكمةُ الدِّين، إذِ الدينُ امتحانٌ واختبار، ولَصَدَّق بالدِّين أشرارٌ كأبي جهلٍ تصديقًا كتصديق أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ فلهذا يُقاسي الأبرياءُ من بلايا المصيبة العامة.
النقطة الرابعة: لقد خالطَ الأموالَ والأرزاقَ اليومَ كثيرٌ من الحرام بسبب الغشِّ وسوء الاستعمال والرِّشوة؛ وكثيرٌ من المزارعين ليسوا مالكين لأموالهم بحقِّها، فإنْ كان اثنان أو ثلاثةٌ بالعشرة من الناس المستفيدين من أموال المزارعين ونِتاجهم يستحقُّون الرحمةَ التامة، فإن خمسةً أو ستةً بالعشرة منهم يُفوِّتون على أنفسهم استحقاقَ الرحمة، إما باقتراف الظلم، أو بمخالطة المال الحرام، أو بعدم الشكر.
— 41 —
النقطة الخامسة: إن رسائل النور وسيلةٌ جليلةٌ لدفع البلاء عن بلاد الأناضول؛ فكما أن الصدقة تدفع البلاء، فإن انتشارَ رسائل النور وقراءتَها هو نوعُ صدقةٍ كُليَّةٍ تَدفع البلايا السماوية والأرضية، وقد تَبَيَّن هذا بأماراتٍ كثيرةٍ ووقائعَ كثيرة، بل تَحَقَّق بإشارةِ القرآن الكريم؛ إذ شَهِدت المِنطقةُ وقوعَ أربعةِ زلازلَ حين مُنِعَ نَسْخُ الرسائل وانتشارِها، فلما انتشرت توقَّفت الزلازل، وكانت قراءتُها في معظم أنحاء الأناضول وسيلةً لتجنيب البلاد الوقوعَ في الحرب العالمية الثانية، وقد أشارت إلى هذا سورةُ وَالْعَصْرِ.
وبينما كنا ننتظر في هذه الآونة منحَ رسائلِ النورِ الحريةَ التامةَ تداولًا وقراءةً، بتصديقِ محكمة التمييز على القرار القاضي ببراءة رسائل النور وكونها نافعةً للوطن، إذْ وقع العكس تمامًا، فمُنِعَتْ، ورَفَضتِ المحكمةُ ردَّ النُّسَخ لأصحابها، ومُنِعنا من الحديث في هذه القضية؛ وبذلك لم تتمكن هذه الصَّدقةُ المعنوية الكُلِّية الدافعةُ للبلاء من التصدي له في شهرَي الجفاف هذين، فوقع القحطُ نتيجةَ ذنوبنا.
النقطة السادسة: إن القحط مصيبةٌ وعذابٌ يَحُلُّ جزاءً لعمل، فينبغي أن يُقابَل بالبكاء والحزن والأسف، وبالاستغاثة والتضرُّع المَحزون، وبِصادقِ الاستغفار والتوبة والندم، وباللجوء إلى باب الحضرة الإلٰهية بالدعاء والعبودية المخصوصة بهذه الحالة، وَفْقَ ما عَيَّنتْه الشريعة، وضمن دائرة السُّنة السَّنية دون ملابسةٍ للبِدعة.
ثم إنَّ مثل هذه المصائب العامة، لما كان وقوعُها بسبب خطايا أكثر الناس، كان دفعُها بتوبةٍ ونَدامةٍ واستغفارٍ من معظمهم. ولأننا یی نحن طلابَ رسائل النور یی لا نُوْلي الدنيا كبيرَ أهمية، ولا ننظر إليها إلا لأجل رسائل النور، فإنا كذلك ننظر إلى هذا القَحْطِ من هذه النقطة؛ وعليه، ففي نفس الوقت الذي أعادت فيه محكمةُ دَنِزْلي قسمًا يسيرًا من رسائل النور لأصحابها، وتَوافقَ ذلك مع شروع بعض الأفاضل بنَسخ الرسائل هنا، نَزل بعضُ المطر في هذا القحط، لكنه بقي غيثًا محدودًا لمحدوديةِ الحرية التي نالتْها رسائل النور، فعسى أن تُعادَ عمَّا قريبٍ كلُّها، وتنالَ كاملَ حريتها، ويَعُمَّ انتشارُها، فيَعُمَّ الغيثُ تامًّا بإذن الله.
٭٭٭