لاحقة أمير داغ
— 36 —

عريضةٌ جزئيةٌ لكنها مهمةٌ مقدَّمةٌ إلى مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الشعب

بالرغم من أني تركتُ الحياة السياسية منذ ثلاثين سنة، إلا أني مضطرٌّ في هذه الآونة لأن أبيِّن لمرةٍ واحدةٍ فحسب مسألةً تتعلق بالوطن والشعب والأمن؛ وهي أننا بناءً على أماراتٍ كثيرةٍ بِتنا على قناعةٍ قطعيةٍ بوجودِ نوايا مُبيَّتةٍ تَعمل لصالح "الفوضوية"، وتستهدفني وتستهدف "أميرداغ"، وتستهدف بالتالي هذا الوطن؛ إذْ يجري تضخيمٌ للأمور فتُجعَل الحبةُ قُبةً بل قِبابًا، وتُصوَّرُ أمورٌ تافهةٌ لا تساوي جناحَ بعوضةٍ كأمثال الجبال، وقد اتُّخِذتُ ذريعةً للهجوم علينا نحن طلابَ النور الذين نسعى لإنقاذ أبناء وطننا المساكين من الإعدام الأبديِّ والشُّبهات الأخروية، وما هو إلا هجومٌ تعسفيٌّ يخالف القانون كليًّا، ويجري بمخطَّطاتٍ أجنبيةٍ خدمةً للفوضوية في هذا الوطن المحتاجِ إلى الاستقرار.. لقد جُعِلتُ ذريعةً لاستهداف هذا الوطن واستقرارِه بحقدٍ ظاهرٍ وهواجس باطلةٍ، في عملٍ أشبهَ ما يكون بصبِّ الزيت على النار.
وذلك أنه بالرغم من أن ثلاث محاكم دَقَّقتْ بتمحيصٍ بالغٍ جميعَ كتبي ومراسلاتي وشؤوني على مدار عشرين سنةً، فقضتْ ببراءتنا وبراءةِ كتبنا؛ وبالرغم من أني تركت التأليف منذ ثلاث سنين، ولا أكاد أقدر على كتابة مكتوبٍ واحدٍ في الأسبوع؛ وبالرغم من أني لا أستقبل أحدًا لغير ضرورةٍ سوى بضعةِ فتيانٍ يعملون في الخياطة، ويتناوبون على مساعدتي في شؤوني الضرورية؛ وبالرغم من عدم عودتي إلى موطني بعد إخلاء سبيل المنفيِّين.. أجل بالرغم من هذا كلِّه فقد استفزُّوني بصورةٍ رسميةٍ وبأسلوبٍ لم أرَ مثلَه في حياتي، وتعمَّدوا الإساءة والإهانة كي يفتعلوا حادثةً ما، فدَهَموا بيتي بحقدٍ وبغيرِ وجهٍ قانوني، وكسروا قُفلَه، وأخذوا مصحفي ولوحاتي المكتوبةَ بالعربية وكأنها منشوراتٌ خطيرة، وفضلًا عن ذلك خاطَبَ مسؤولٌ مهمٌّ في السلك القضائيِّ الموظفين الرسميِّين هنا، وكلَّمهم بلهجةٍ آمرةٍ قائلًا: "كان عليكم أن
— 37 —
تُخرِجوا سعيدًا على الملأ بواسطةِ اثنين من عناصر الشرطة العسكرية، وأن تُرغموه على ارتداء القبعة الإفرنجية، وأن يؤتى به إلى الاستجواب بهذه الهيئة، وكان عليكم أن تقبضوا على كلِّ مَن يقترب منه"؛ نعم، قال هذا الكلام في اجتماعٍ مهمٍّ حين كانت تُتلى إفادتي الناطقةُ بعَين الحقيقة.
فلم يَبْقَ بعد هذا شكٌّ ولا شبهةٌ في أن ثمة خُطَّةً تَهدُف لضرب الأمن والاستقرار من خلال الإساءة إليَّ واستفزازي.
وأشكر لله بلا حدٍّ أنْ أحسن إليَّ بحالةٍ روحيةٍ تجعلني أُضحِّي بشرفي وكرامتي مهما بلغا في سبيل راحةِ أبناء هذا الوطن المستضعَفين ودفعِ البلايا عنهم، ولقد قرَّرتُ التزامَ التحمُّل إزاء ما يفعله وما سيفعله القومُ بحقِّي من إساءةٍ وإهانةٍ وأذًى؛ فأنا على استعدادٍ للتضحية بكلِّ حياتي وشرفي في سبيل أمنِ هذا الشعب واستقرارِه، وبالأخص في سبيل الراحة الدنيوية والسعادة الأخروية لأطفاله الأبرياء، وشيوخه الموقَّرين، ومرضاه وفقرائه المساكين.
وإحدى الأمارات على ما قام به القوم من تهويلٍ حتى جعلوا من جناح الذبابة جبلًا، ما حصل في عشَرةِ أيامٍ فقط لرجلٍ مثلي ضعيفٍ هَرِمٍ مريضٍ يعيش وحيدًا في الغربة، إذْ حَضَرَ والي "أفيون" وقائدُ الشرطة خمسَ مراتٍ إلى هنا، وحَضَرَ المدَّعي العام مرتين، وراقبتْني خمسُ مروحياتٍ حلَّقتْ فوقي أثناء تَجوالي في يومين على التوالي، وعُيِّنَ خمسةُ عناصر إضافيين من رجال الأمن يراقبونني ويتجسَّسون على أحوالي، وصدرَ أمرٌ رسميٌّ إلى مكاتب البريد بمصادرةِ جميع الرسائل المتعلقة بي.. فهذا يبين أنهم كانوا يخططون لاندلاع حادثةٍ تفوق حادثةَ "الشيخ سعيد" أو حادثة "مَنَمَن" عشرةَ أضعاف، فضخَّموا الأمور، وجعلوا من الحبة قُبَّةً، واتَّخذوا هذه الإجراءات الأخيرة.
لقد حَسِبوا أنني أعيش سيرتي القديمة، وتوقَّعوا أن تثور ثائرتي ردًّا على الإساءة؛ ولكن خاب ظنُّهم، فإننا نعمل بكل قوتنا لتأسيسِ سدٍّ قرآنيٍّ كسدِّ ذي القرنين في مواجهةِ "الفوضوية"، وإن الذين يتعرَّضون لنا إنما يمهِّدون السبيل للفوضوية، بل للشيوعية.
— 38 —
بلى، إن وظيفتي الحقيقيةَ خالصةٌ لأجل الآخرة ولإنقاذِ المسلمين من الإعدام الأبديِّ للموت، وإلا فلو رَفضتُ اليوم كلَّ أشكال الإساءة والإهانة كما كنتُ أرفضُها في سالف عهدي حفاظًا على العزَّة العلمية، ولو كانت وظيفتُنا مجرَّدَ العمل لأجل الدنيا ولأجل السياسة الهدَّامة كما يفعل الذين يتعرضون لنا، لتسبَّبَ الذين يعملون لصالح "الفوضوية" بحادثةٍ تَعدِل عشرةَ أضعافِ حادثةِ "الشيخ سعيد" وحادثةِ "مَنَمَن".
ومع النظر بعين الاعتبار إلى أن ثلاثَ محاكم وشرطةَ عدةِ ولاياتٍ لم تتعرض لزِيِّي من ناحيةٍ قانونيةٍ طَوالَ عشرين سنة، ولم أُبلَّغ مطلقًا بتبديل زِيِّي مراعاةً لحالتي وعزلتي، فإن هذا النوع من محاولاتِ إجباري على ارتداء القبعة الإفرنجية تعسُّفًا وقسرًا أمام الأهالي سيثير غضبًا عارمًا لدى مئاتِ آلافِ الرجال في هذا الوطن، لا سيما الذين تَربطُهم بي علاقةُ الأُخوَّة في درس الإيمان التحقيقيِّ منذ أربعين سنة، وسيكون مدعاةً لويلاتٍ ومآسٍ تسيل لها العَبَرات.
لقد تَيَقَّنَّا یی بأماراتٍ كثيرةٍ یی أنَّ الإجراءات غيرَ القانونية التي عومِلْتُ بها، ونُفِّذت بإيعازٍ أجنبيٍّ لكسرِ توجُّه الناس نحوي، إنما كانت لأجل هذا المقصَد المذكور، ولكنْ حمدًا لله بلا حدٍّ أن إهاناتهم غيرَ القانونية لي لم يَعُد لها أهمية، وماذا تُجدي مع رجلٍ مثلي واقفٍ بباب القبر، قَطَع جميع علائقه، وسَئِم الدنيا، وفرَّ من إقبالِ الناس وتقديرِهم، ولم يَعُد له ميلٌ إلى أيِّ نوعٍ من أنواع الرياء كالشهرة والجاه والعُجْب.. فإلى الله تعالى أُحيل أمرَهم.
إنني أفكِّر في أن هؤلاء الذين يُلحقون بي الأذى لمجرَّد هواجس لا موجِب لها سيُقاسون الإعدامَ الأبدي بالموت عما قريب، فأرثي لحالهم، فاللهم أنقذ برسائل النور إيمانَهم، وحوِّل بسرِّ القرآن إعدامَهم الأبديَّ إلى مذكِّرةِ تسريح، وإنني كذلك أسامحهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭