لاحقة أمير داغ
— 33 —

عريضةٌ أُرسِلتْ إلى ثلاثِ جهاتٍ رسميةٍ عُلْيا أُرسِلها اليوم إلى إخواني هناك لتكون مرجعًا لهم

أطلب منكم أن تُصغوا لشكوى مظلومٍ ظلَّ صابرًا ساكتًا عشرين سنة..
إذْ إني في عهد حكومة الجمهورية التي أتاحت الحريات بأوسع أشكالها، لم يُكْتَفَ بحرماني من كلِّ حرية، بل تداعى عليَّ خصومي من كل جهةٍ يقمعونني بكلِّ حرية!! وإن الواجب على حكومة الجمهورية التي تَكفُل حرية الضمير وحرية الفكر العلمي أن تُوفِّر لي كاملَ الحماية، فتَكُفَّ ألسنةَ خصومي المُغرِضين ذوي الهواجس والظنون، أو تتيحَ لي حريةَ القلم كما أتاحتْها لهم، فلا تمنعَني من الدفاع عن نفسي؛ لأنه قد صدر أمرٌ رسميٌّ سِريٌّ إلى مكتب البريد يمنعني من إجراء أيَّةِ مراسلة.
وفي الوقت الذي صدرَتْ فيه تحذيراتٌ تَمنع كلَّ شخصٍ من اللقاء بي إلا صبيًّا يأتيني بالخبز والماء، وبينما كنت أنتظر استردادَ مؤلَّفاتي التي نالت استحسانَ لجنة
— 34 —
الخبراء بعد تصديقِ محكمةِ التمييز على براءتِنا التامة، انتهزَ خصومي الفرصة، فقدَّموا رسالتَين من رسائلي الخصوصيةِ القديمةِ إلى اثنين من أعضاء لجنة الخبراء يعاديان مسلكَنا، وقد سمعتُ أنهما أعدّا تقريرًا ضدي، فلم يَبق لي صبرٌ ولا تحمُّل، وإنني أُعلنها صريحةً لجميع رجال الحكومة الجمهورية، بل للعالَم أجمع فأقول:
إن بَرنامجي وبَرنامجَ رسائل النور یی بسرِّ حقيقة القرآن الحكيم وطِلسمِ إعجازه یی ومسلكَنا وثمرتَه العملية التي شاهدناها فعلًا وما زلنا نشاهدها ونعمل لها، وهدفَنا وغايةَ عملِنا إنما هو إنقاذُ المساكين بالإيمان التحقيقي من إعدام الموت الأبدي، وحمايةُ هذا الشعب المبارك من "الفوضوية" بكلِّ أشكالها.
وبناءً على هذا، فإن عشرين سنةً من حياتي، ومئةً وثلاثين رسالةَ نور، لَهِيَ حجةٌ لا مَطعَن فيها، تُبرهِن على أن رسائل النور التي دقَّقَتْها ثلاثُ محاكم وثلاثُ هيئاتِ خبراء، ليس لها وراءَ هاتَين الوظيفتَين القدسيَّتَين أيُّ هدفٍ يَمَسُّ بالقصد شؤونَ الدنيا أو إدارةَ البلاد وأمنَها واستقرارَها.
نعم، وهاكم سعيدًا المظلوم الذي لا حول له ولا قوة، والذي لم يقرأ صحيفةً منذ عشرين سنةً ولا استمع إلى محتواها، ولم يراجع الحكومةَ لينال حقَّه وحاجتَه الماسَّة للراحة والاستقرار، والذي لا يَعرف أحدًا من رجال الحكومة ومسؤوليها منذ عشر سنين خلا بضعةِ أشخاص، ولا يَعرفُ شيئًا عن الحرب العالمية وأحداثِ العالَم منذ أربع سنين ولا يهتمُّ بها، وقد أعلن ذلك أمام المحكمة وصدَّقه جميعُ أصحابه الذين هم على صلةٍ به.. أفيمكن لمن هذه حالُه أن ينشغل بأهل السياسة؟ أو يتدخلَ في شؤون إدارة البلاد؟ أو يكونَ له ميلٌ للإخلال بالأمن؟! فلو كان لديه ذرَّةٌ من ذلك لتساءل: مَن هم خصومي؟ وماذا يجري في العالَم؟ ومن سيساعدني؟ ولاهتمَّ وتدخَّلَ واحتال متَّخِذًا لنفسه موقعًا بين الكبار.
وإليكم حادثةً بسيطةً هي الأشدُّ أسًى وإيلامًا؛ فلقد كتبتُ إلى بعض أصحابي رسالةً سِرِّيةً سلَّمتُهم إياها باليد وقلت لهم فيها: "جِدُوا لي ذريعةً أدخل بها السجن كي أتخلَّص من
— 35 —
هذه الحال التي مُنِعتُ فيها من كل اتصالٍ كأنني في زنزانةٍ منفردة.. فلْيأخذوني إلى السجن لأَخْلُص من هذا العذاب"، نعم، قلتُ هذا لأكون قريبًا من كتبي في محكمة "دَنِزْلي"، وقريبًا من رسائل النور الغرَّاء التي هي رأسُ مال حياتي وثمرتُها فأسعى لاستردادها؛ ولقد كان في لجنة الخبراء التي تعمل ضدي رجلٌ هو الوحيدُ الذي يدافع عني، وقد اطَّلع على رسالتي هذه، فاضطر لمسايرة اللجنة وإصدار الحكم ضدي كي أدخل السجن مع الأسف!!
وإحدى الذرائع التي تَذرَّعَ بها خصومي الذين زَجُّوا بي في السجن هي "الطُّرُقية"، وقد برَّأتْني منها المحكمة، والحال أني ما فَتِئْتُ أُعلِن في رسائل النور "أن الزمان ليس زمانَ الطريقة، وإنما هو زمان إنقاذ الإيمان، وأن الذين يَدخلون الجنة بغير الطريقة كثير، لكنْ لا أحد يدخلها بغير إيمان"؛ ولهذا عَمِلنا بكلِّ قُوَّتنا لأجل الإيمان.
أنا عالِمٌ، ولستُ شيخَ طريقة.. ليس لي في الدنيا بيتٌ أصلًا حتى تكون لي زاوية، ولا يوجد شخصٌ واحدٌ في هذه العشرين سنةً خَلَتْ يقول إني لَقَّنتُه طريقة؛ ولم تَعثر المحاكمُ ولا الشرطةُ على شيءٍ من ذلك.. نعم لا توجد سوى "رسالة التلويحات"التي كتبتُها قديمًا، والتي تُبيِّن حقيقة الطُّرُق بيانًا علميًّا، وما هي إلا درسٌ علميٌّ رفيع المستوى.. إنها درسُ حقيقةٍ لا درسُ طريقة.
وإن ثمة وظيفةً مُهمَّةً تقع على عاتق الحكومة الجمهورية، ألا وهي حمايةُ الأثر العلميِّ الذي أثبتَ الإيمان التحقيقيَّ وانتصر على الفلسفة، وأثبتَ حقيقةً ارتبطتْ بها أرواحُ المليارات من أجداد هذا الشعب وتحدَّوا بها العالَم بأسره.. فحمايةُ هذا الأثر العلميِّ وحمايةُ القائمين على خدمته هي من أهم وظائف هذه الحكومة التي اتَّخذتْ حريةَ الضمير أساسًا لها، وإلا فإنَّ تكبيل هذا الخادم الضعيف وجَعْلَه عرضةً لهجوم آلاف الخصوم أمرٌ لا تسمحُ به قوانينُ الجمهورية بأي وجه.
كتبتُ شكواي معتقدًا أن الجمهورية ستصغي إليِّ؛ نعم، وأقول:
﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
٭٭٭