— 14 —
وكذلك الأمرُ في أثناء حصار "بتليس"، وعلى خط التَّماسِ: أُصِبتُ بثلاث شظايا رُوسِيّة في مَقتَل، إذ مرَّت إحداها من بين رِجليَّ واخترقت سِروالي، وكنت في تلك الوضعية الخطيرة أستَشعِرُ حالةً روحية تأبى عليَّ دُخولَ الخنادِقِ والتَّحصُّنَ فيها، فبلغ ذلك القائدَ "كَلْ عليّ" والواليَ "ممدوح بك" وهما في الخلف، فقالا: "إمّا أن ينسحبَ، وإما أن يَتَحصَّن في أحد الخنادق"، فرفضتُ الأمرَ قائلًا: "لن تقتلنا قذائفُ الكفار"، ولم أكتَرِث لأيٍّ من أسباب الحيطة والحذر، إذ لم أُبالِ في أيّام شبابي وعنفوانِه بالحفاظ على حياتي البهيجة.
غيرَ أنني اليوم یی وقد بلغتُ الثمانين من العمر یی بِتُّ أحرِصُ على الأخذِ بجميع أسبابِ الحيطة والحذر وبصورةٍ عجيبةٍ ومضادّة للسّابق، حِفاظًا على نفسي، لدرجةِ تجنُّب المخاطر المحتَمَلة بشِدّة.
إنَّ التَّضحِيةَ بأيّام الشباب دون مبالاة أو اكتراث، والحفاظَ على شيخوخةٍ لا تَحتَمِلُ الأذواق، وتَدُوم عامًا أو عامين، إنما هي لحِكَمٍ عظيمة ومقاصِدَ قُدسيّة:
أوَّلُها: أنَّ حياةَ الشيخوخة المُضطَرِبة التي أعيشُها أضحت وسيلةً لإشغالِ أعدائي الظَّلَمة العاملين في الخفاء، بشكلٍ رَسمِيٍّ وغيرِ رسميّ، ذلك أنهم يعتبرون یی بجهلٍ منهم یی أن الأهمِّيّة تَكمُنُ في شخصي، فيُركِّزون هجومهم عليَّ، ويوجِّهون دسائسهم ضدِّي بدلًا من تلاميذ النُّور، وبذلك يَنجُو طُلّابُ النور من هجومهم ومكائدهم.
فلهذا، ولأجل خاطرِ إخواني، أَولَيتُ حياةَ الشيخوخةِ هذه یی مُؤَقَّتًا یی أَهَمِّيةً كبيرةً تَفُوق عشَرةَ أضعافِ ما كان لسعيدٍ القديم في سنوات الشَّباب، فلو أنِّي غادرتُ هذا الميدان لَتَضاعَفَت آلامُ الشدائدِ والمِحَنِ التي تَنزِل بي مئاتِ المرّات، إذ ستُوجَّه حينئِذٍ مباشَرةً إلى إخواني الذين هم أحبُّ إليَّ من رُوحي.
ثانيها: صحيحٌ أن كلَّ واحد من إخواني الخواصِّ يَتَبنَّى الأنوارَ برتبة "سعيدٍ" كامل، إلا أنَّ أعظَمَ قوّةٍ لنا بعد الإخلاص تكمُنُ في التَّسانُد والتعاضُد، وبتزعزُع هذه
— 15 —
القُوّة يمكن أن تُصابَ الخدمة الإيمانية بضررٍ بالِغ، مثلَما حصل في السجن بسبب اختلاف المشارب؛ لذا أجدُ نفسي مضطرًّا للحِفاظ على حياةِ الهَرَمِ والشَّيخُوخة المريضة هذه إلى أن يتَحقَّق مبدأُ التَّسانُد تمامًا، ولحينِ صُدُور مجموعتَي "اللَّمَعات" و"الكلمات"، وحتى يَرتَفِع بلاءُ تنفيرِ العُلَماء من الأنوار الناجمِ عن الخَوف والغَيرةِ.
فبعنايةٍ إلٰهيّة حُجِب أعدائي طَوالَ تلك الامتحانات والمُحاكمات عن رُؤية عيوبي الخفيّة، ولم يتمكَّنُوا من تشويهِ صورتي بشكل كامل، فعجَزوا عن هزيمة رسائل النور؛ إلا أنَّهم ربَّما يتمكَّنون من إلحاقِ الضرر بها عبر تزييفاتٍ وافتراءاتٍ تجاهَ بعضِ وَرَثَتي من "سعيدين" شَبابٍ لم تتعزَّز أهليتُهم في الحياة الاجتماعية بعدُ بالتجارِب الكثيرة.. لهذا أسعى للمحافظة باهتمامٍ على حياتي التي لا أهمِّيّةَ لها، حتى إني رأيتُ من الضروريِّ الحصولَ على مسدَّسٍ قويٍّ إضافةً لما لديَّ..
وكما فشِلَت محاولةُ الأعداء تسميمي ببركة دعاء إخواني، ستَظلُّ أيضًا مؤامراتُهم كافّةً عقيمةً بإذن الله تعالى؛ ومن أمثلة ذلك: جاءني من "أنقرة" طلَبٌ لمجموعات النور، ووافقَ ذلك الليلةَ التي حصل فيها خُسُوفٌ كلِّيٌّ للقمر مُدّةَ ساعتين، فقمنا في اليوم التالي بإرسال ستٍّ وثلاثين مجموعةً دُفعةً واحدة، وعلى إثر ذلك جاء اثنانِ من أعدائي يَزعُمان أننا لم نرسل شيئًا، بهدف معرفةِ أماكنِ تلك الكُتُب؛ فبلغ الأمرُ بعضَ الماسونيِّين الرسميِّين وذوي المناصب في "أفيون"، ممّا دفَعَهم إلى مداهَمة منزلي لتَحَرِّي الأمر، ودَسِّ السُّمِّ في أواني الطعام والشَّراب، وبطريقة عجيبة صَعِدا سطح المنزل، ودخلا غرفتيَّ المُقفلَتَينِ عبر النوافذ دون تَحطيم زجاجها؛ ولأني كنتُ أحكمتُ إقفالَ غرفتي التي أنام فيها من الداخل بالمزلاج، لم يتَمَكَّنوا من اغتيالي، إذ حالَ دون مَقصَدِهم هذا الحفظُ الإلٰهيُّ والعناية الربانية..
كنت أَوَدُّ كتابة الكثيرِ من الأمور الضرورية، إلا أن تدَهوُرَ حالتي الصحية جعل يخاطبُني: "كفى".. لكن ثمّةَ أمورٌ لازمةٌ وضرورية في كلِّ وقت وحِينٍ، هي: الإخلاصُ، والثَّبات، والتَّسانُدُ، وعدمُ الِارتباكِ والتَّزَعزع، وأداءُ وظيفتنا دونَ التدخُّلِ في الشُّؤون الإلٰهية، والتحرُّكُ وَفقَ دُستُورِ: "سرًّا تنوَّرت"، وعدم الوقوعِ في اليأس.
— 16 —
كما أنني أكرِّر دائمًا القولَ: لم يشهد التاريخ أُناسًا نالوا مكاسِبَ معنويّةً عظيمةً من خلال خدمة جليلة ومشقة قليلة كتلاميذ النور، فكما أنَّ ساعةً من الحراسة في ظروفٍ قاسيةٍ تقومُ أحيانًا مقامَ عبادةِ سنة، كذلك هي ساعاتُ النُّوريِّين التي يُمضُونها في الخدمة الإيمانية والقرآنية، تُكسِبُ أجرَ مئاتِ الساعات بإذن الله تعالى.
أبلِّغُ سلامي لجميع إخواني وأَخَواتي،
وأدعو بسلامتهم في الدارين.. وأسألكم الدعاء.
أخوكم
٭٭٭
.......
إن ذلك المُضحِّيَ الحَقيقيَّ "زبير" قد هُرِع لنجدتي في أحرج الأوقات، إذ كنتُ بأشدِّ الحاجة إلى من يقوم على رعايتي، وكنتُ سأطلب من "إسبارطة" شخصًا مثله.
٭٭٭
إخواني الأعزّاءَ الأوفياء..
أوَّلًا: نباركُ لكم ليلة المعراج، ونَضْرَعُ إلى الله تعالى برحمته أن يتقبَّل دعواتِكم فيها.. وإن هُطُولَ المطر بصورةٍ استثنائيّة في هذه المنطقة قبل وبعد يومٍ من ليلة المعراج، لَهُو إشارةٌ إلى أن رحمةً عامّةً سوف تتجلَّى على هذا الوطن إن شاء الله.
ثانيًا: كنتُ على صلةٍ وثيقةٍ بطُلّابي القُدامى من مدينة "وان"، وأَتُوقُ للاطمئنان على أحوالهم، وقد قام "سليمان رُشدي یی قسطموني" المعروف بی"أمين چايجي" بزيارة إلى "وان" هذه الأيامَ، سعيًا منه لإيصال الأنوار إلى طلابي القدامى المبارَكين، وأرسل لي رسالة يُخبِرُني فيها أنه الآن بينهم، وأنهم ما زالوا على قيدِ الحياة، وأبلغَني
— 17 —
لهفتَهم واشتياقهم لتلقِّي الأنوار؛ فسُررتُ واغتبطتُ كثيرًا لدى سماعي هذا الخبر، لا سيَّما وقد كانت أخبارهم منقطعةً عني تمامًا، فكنتُ شديدَ القلقِ، ولا أدري أأحياءٌ هم أم أموات! غير أنَّ فرحتي بالاطمئنان عليهم امتَزَجت بالحزن لدى تَذكارِ عهدٍ قديم بصحبتهم؛ ولعدم إمكان التواصل معهم من مكاني هذا، فإن قام أبطال "صَفْرَن بولو" بالأمر نيابةً عني كان ذلك حسنًا.
ثالثًا: رغم أنني تركت السياسة منذ ثلاثين سنةً ولم أعُد أكترثُ لأخبارها، إلا أن مصادرةَ محكمةِ "أفيون" لمُصحَفِنا الشريف "مصحف التوافقات" مدّةَ عامين ونصف دون أن تُعيدَه إلينا، وتعمُّدَ إيذائنا بصورةٍ دنيئةٍ ومُهينةٍ لم يَشهدِ العالَمُ مثلَها، ومَنْعَهم انتشارَ كُتُبِنا.. كلُّ ذلك آلمَني كثيرًا، ممّا دفعَني للنظر في أحوال دُنيا السياسة مرّاتٍ عِدّةً خلال خمسةِ أو عشَرةِ أيامٍ، فشاهدتُ فيها حالًا عجيبًا.
إن ثمّةَ تَيّارَ زَندَقةٍ يعمل بمُطلَق الاستبدادِ وبالرِّشوة لِصالحِ الماسونية والشيوعية یی كما ذكرتُ في دفاعاتي یی ويسعى إلى سحقِنا والقضاء علينا بمثلِ تلك الاضطِهاداتِ؛ غيرَ أنِّي رأيتُ كذلك تَيّارًا آخَرَ لاحَت ملامحُ ظُهُورِه الآن في هذا الوطن، يُمكِنُه كَسْرُ شوكةِ ذلك التيار.. ولم أتمكَّن من النظر والِاطِّلاع أكثر، إذ لا رُخصةَ لي بذلك حَسَبَ مسلكي.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 18 —
السيد جلال بَيار..
رئيسَ الجمهورية..
نُهنِّئُكم، وندعو الحَقَّ سبحانه أن يكتب لكم النجاح والتوفيق في خدمة الإسلام والعباد والبلاد.
باسم طُلّاب النور
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭