— 12 —
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ..
أولًا: أُعزِّي تلاميذ "المدرسة الزهراء" وخاصّةً هيئةَ المباركين وعموم ولاية "إسبارطة" بوفاة المرحوم الحافظ "مصطفى"؛ أمّا هو فأُهنِّئُه من صميم قلبي لقيامه بوظيفته حقَّ القيام، إذ ظلَّ منذ عشرين عامًا يعملُ على نشر الأنوار بثَباتٍ دون كللٍ أو مللٍ كأنّه نسخةٌ من الحافظ "علي"، فنُّهنِّئه ونهنِّئُ ولاية "إسبارطة" والمدرسةَ الزهراء.
نعم، لقد أنهى الأخُ المرحوم البطل مُهِمَّته هذه كالحافظ "علي"، ورحل إلى عالم النُّور والبرزخ في جِوارِ إخوانه الحافظ علي وحسن فيضي وغيرهم.. نسأل الحَقَّ سبحانه أن يثقِّل ميزانَه بقَدْرِ أَحرُفِ "رسائلِ النُّور" حسناتٍ، ويَتغمَّده بعميم رحمته.. آمين.
٭٭٭
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ..
أُخطِر على قلبي أن أُبيِّن لكم بضعةَ مسائلَ شخصيّةٍ:
أوَّلًا: عاتبتُ بحِدّةٍ بعضَ إخواني الخواصِّ أثناء قيامهم على رعايتي، وذلك نتيجةَ ظهورِ شيء من الإهمال والإقلالِ من الشفقة تجاهي، فوَرَد على قلبي حينَها: أنَّ السبب في تقصير أولئك المساكينِ في واجبِ الخدمة أنَّهم يفتَرِضُون یی بحُسنِ ظنِّهم الزائدِ یی أشياءَ من قبيلِ: "لو رغِبَ أستاذُنا لتكفَّل بخدمته بعضُ الرُّوحانيِّين والجنِّ، بل ربما هم يقومون بالأمر فعلًا! إذ إنَّ جَلوةَ العناية الظاهرة في الخدمة النُّورية تُظهِرُ أنه لا مَجالَ لإرهاقِه، وليس هو بحاجةٍ إلى شفَقَتِنا نحن وترفُّقِنا به"؛ حتى إنَّ أحد المكلَّفين بإيصالي اليومَ بالسيّارة أَهمَل الأمر، فخَرَجتُ سيرًا على الأقدام، وقاسَيتُ في ساعةٍ واحدةٍ معاناةً تَعدِلُ عَشْرَ ساعاتٍ؛ وقد سبق أن قلت قبلَ بضعة أيام لهؤلاء المُقصِّرين في أداء واجبهم، وها أنا أكرِّرُ مقالتي لكم اليومَ أيضًا فأَصغُوا إليها:
— 13 —
مثلَما يَمنَعُني بشِدّة سِرُّ الإخلاص من اتِّخاذِ رسائلِ النُّور والخدمةِ الإيمانيّة أداةً لمَناصِبَ دُنيويةٍ ومقاماتٍ أُخرَوِيّة شخصيّةٍ، كذلك فإنني أتجنَّبُ بشِدّةٍ جَعلَ تلك الخِدمة القدسية وسيلةً لراحتي الخاصّة ولتطلُّبِ حياةٍ دنيويّة سعيدةٍ لا مَشقّة فيها ولا معاناةَ، ذلك أنَّ صَرفَ ثِمار الحسنات الأخروية الباقية في سبيل لذائذَ جزيئةٍ لحياةٍ فانية، أمرٌ مُنافٍ لسِرِّ الإخلاص.
لذا فإني أُعلنُها جازمًا: لو أن الخُدّام الرُّوحانيِّين والجِنَّ یی ممَّن يرغب بهم ويَرتَضِيهم أهلُ الرِّياضات من الزُّهّادُ في الدُّنيا یی جاؤُوني كلَّ يوم بأنفعِ العلاجات وأَطيبِ الأغذية، في الوقت الذي أتضوَّرُ فيه جوعًا وأُقاسي الآلامَ الشديدةَ، فإنَّني أَجِدُ نفسي مُضطرًّا لرَفضِها حِرصًا على هذا الإخلاصِ الحقيقيّ.
بل لو تَمَثَّل لي بعضُ الأولياء من عالَمِ البرزخ، وقدَّموا لي أطباقَ الحَلْوَى تقديرًا للخِدمة الإيمانية، فإنني أُقبِّلُ أيديَهم وأَعتذِرُ عن قبولِها؛ وأجدُ نفسي یی كقلبي یی راضيةً بردِّها، حذَرَ استهلاكِ الثِّمار الأُخرَوِيّةِ الباقية بصورةٍ فانيةٍ في دارِ الدنيا.
إلّا أنَّ الإكراماتِ الرحمانيةَ القادمةَ من جهة العناية یی كالبَرَكة مثلًا یی دون توجُّهٍ منّا أو تشوُّفٍ لها، فإنِّي أَرتَضِيها من أعماقِ رُوحي باعتبارِها أَمارةَ قبولِ الخِدمة، وشريطةَ ألّا تتخَلَّلها حظوظُ النَّفسِ الأَمّارةِ.
وعلى كل حال.. هذا القَدْرُ من الحديث في تلك المسألة كافٍ.
ثانيًا: كنّا في الحرب العالميّة الأولى على جبهة "پاسِنلَر" نَمضي مع الشهيد المرحوم المُلَّا حبيب قُدُمًا بمهاجمة الروس، وكانت مدافعُهم تُطلِق باتِّجاهنا في كلِّ دقيقةٍ أو دقيقتين ثلاثَ قذائف، فمرَّت ثلاثُ قذائف من فوق رؤوسنا على علوِّ مترين، وهرب جنودنا المتمركزون خلفنا في الوادي رغم تحصُّنهم، فقلت لمُلّا حبيب یی مُمتحِنًا مُختبِرًا یی: "لن أَختَبِئ من قذائف هؤلاء الكُفّار، فما رأيك؟"، فقال: "وأنا لن أُفارقَك"، فوقعت القذيفة الثانية قريبًا مِنّا، فقلتُ له واثقًا بالحفظ الإلٰهيِّ وحمايتِه: "هيّا نتقدَّمْ، فلن تَقتُلَنا قذائفُ الكُفّار، ولن نَنحدِرَ نحوَ الإدبار والفِرار".