— 365 —
حاشيةٌ مُلحَقةٌ بإفادتي التي أَدليتُ بها في استجواب أميرداغ والتي سبق تقديمُها إلى وزير الداخلية والشخص المعنوي للجهات القضائية للاطلاع
رغم أني لم أقرأ صحيفةً ولا استمعتُ إليها منذ خمسٍ وعشرين سنة، إلا أن أحد الذين يقومون على خدمتي قرأ عليَّ بالأمس فقرةً من صحيفةٍ تتحدث عن وقوع حريقٍ في وزارة المعارف بأنقرة بلغتْ أضرارُه مليونَي ليرة، وحريقٍ آخَر في مرآبٍ للسيارات بأنقرة كذلك، وحريقٍ ثالثٍ وقع في الوقت نفسه في معملٍ كبيرٍ بإزمير، وحريقٍ رابعٍ التهمَ مبنًى بأكمله في "أضنة".. فلما سمعتُ ذلك حزنتُ وأسفتُ وتألمتُ كثيرًا لحال هذا الشعب الفقير، وكنتُ في الوقت نفسه أعاني من شدةٍ وضيقٍ لم أُعانِ مثلَهما في حياتي، إذْ أُحِلتُ على محكمةٍ لا يُحال عليها مَن كان شيخًا هرِمًا مريضًا مثلي، وأُخضِعتُ فيها لاستجوابٍ دام أكثر من أربع ساعاتٍ متواصلة؛ ولولا قَدْرٌ من الإنسانية والرأفة تتحلى بهما الجهاتُ القضائية في هذه المدينة لما تحمَّلتُ الموقف، وكنتُ قد اتخذتُ قرارًا حاسمًا وضعتُه نُصْبَ عيني، وهو أن أُجيب بكلامٍ قاسٍ لأدخلَ السجنَ رغم مرضي ورغم هذا البرد القارس، حتى لقد اتفقنا أن يَفتعل أحدُ القائمين على خدمتي نزاعًا مع آخَر يدخُل به السجن فيلتحق بي ليتولى خدمتي!! غير أن العناية الإلٰهية أحسنتْ إليَّ بالصبر، ووجدتُ من الجهات العدلية هنا إنسانيةً، فتحملتُ.
وقد تفكَّرتُ في السبب الذي أدى إلى هذه الحال العجيبة الأوهام والهواجس التي لا أصل لها، فوجدتُ أن "مرشد الشباب" بعد أن طُبع وانتشر بإذنٍ رسميٍّ، قد نَوَّر الكثيرَ من طلاب المدارس والمعاهد العلمية، حتى لقد أصبحتْ صفوةُ الشباب في جامعتَي أنقرة وإسطنبول تدرك أن أُسس رسائل النور هي وسيلةٌ لسعادة هذا الوطن وأبنائه، وبات الكثير من المعلمين والمدرسين على صلةٍ وثيقةٍ برسائل النور يُقبِلون عليها بشوقٍ ولهفةٍ من جهةِ المكانة العلمية والحَميَّة الوطنية، وقد أثار ذلك اهتمامَ وزارة المعارف، إذْ كانت تُنقَل أخبارٌ تقول: "إن الشباب يتداولون رسالة "مرشد الشباب" المطبوعة، وهي رسالةٌ تَلفِت نظر الشباب المتعلم إلى الدين"؛ فأرادت
— 366 —
الوزارةُ التعرُّضَ للأنوار على نحوٍ يُضعِف الرغبةَ فيها والإقبالَ عليها، فوقع التعرضُ لي ولكثيرٍ من طلاب رسائل النور في عددٍ من الولايات.
ومع أني من أبناء المدارس الدينية، وكان الأَولى بي أن أطلب العون والتأييد من المشايخ والعلماء، إلا أني كنت أعتمد بكلِّ قوتي على الشباب المثقَّف خريجِ المدارس الحديثة، لأن أكثر الداخلين إلى دائرة النور منهم، أما المشايخ والعلماء فقليل، إذْ يُعرِض أكثرُهم عن الأنوار، بينما يُقبِل عليها الشباب المثقف ويتبناها بكلِّ تقدير، ولهذا كنتُ أُعوِّل على دعم وزارة المعارف وأقول في قلبي: ستتولى هي حمايةَ طلاب النور؛ فإذا بنا نَلْقى منها هذا التعرُّض، وإذا سببُه أعداؤنا العاملون في الخفاء، فإنهم حرَّضوها علينا بفقرةٍ وردتْ بآخر "مرشد الشباب" تقول: مِن المناسب أن يسعى طلاب النور لافتتاح مدارس نوريةٍ ما أمكن، مستفيدين من سماح الحكومة بذلك.
لقد حاولَ أعداؤنا النَّيلَ منا وتشتيتَ شَمْلِنا مرارًا وبشتى الدسائس عبر مؤسسات القضاء، فلم ينجحوا ولم يَظفَروا من ذلك بطائل؛ ثم حاولوا أن يحرِّضوا علينا بعضَ المشايخ المتعصبين وذوي الأنانية وأصحابِ المناصب الرسمية فلم ينجحوا في مسعاهم هذا أيضًا؛ ثم حاولوا اليوم أن يُحرِّضوا علينا وزارةَ المعارف التي عَوَّلنا عليها في العون والتأييد، وأثاروا لدى بعض المسؤولين من جديدٍ أكذوبةَ "التنظيم والطُّرُقية" التي برأتْنا منها ثلاثُ محاكم براءةً قطعية، وسعَوا لحِرماني أنا ودائرةً واسعةً من طلاب النور الأبرياء من مطالعة رسائل النور، وساقوني لاستجوابٍ مؤلمٍ لمدة أربع ساعاتٍ ونصف، فإذا بحريقٍ يندلع من غير سببٍ في وزارة المعارف في نفس الوقت الذي تعرضتُ فيه للاستجواب، ولم يُتمَكَّن من السيطرة على الحريق أو إخماده، فأتى على مبنى الوزارة بأكمله؛ وليس في هذا الحريق ما يشبه المصادفة، بل يَظهر فيه أثرُ غضب.
فإني كنتُ في الوقت نفسِه أُستَجْوَب، وقلتُ عند نهاية الإدلاء بإفادتي: لا تَحرِموني في هذه الغربة والوَحدة من مطالعة كتبي.. وإلا حَلَّ بي وبهذا الوطن ما يؤسَف له، (حاشية): وقد حَلَّ. وربما غضبتِ الأرضُ بالزلزلة!!
— 367 —
فلم يَمض على قولي هذا ثلاثُ دقائق حتى حدثتْ هزةٌ أرضيةٌ استمرت ثلاث ثوان، ثم لما أعدتُ الفقرةَ نفسَها على مسامع المحكمة هاجَمَتِ الأرضُ وزارةَ المعارف بالنار ليلًا أو نهارًا، وقد سبق أن أثبتنا عدةَ مراتٍ لدى المحاكم أن كثيرًا من الزلازل والهزات الأرضية قد وقعت بالتزامن مع التعرض لرسائل النور وطلابها، وهذا أمرٌ لا يمكن أن يكون مصادفةً بحال.
إنها إذًا رسائلُ النور حجرُ الأساس لهذا الوطن والشعب والأمن والاستقرار، التي تفسِّر القرآن تفسيرًا حقيقيًّا ذا قوةٍ وحقيقة، وإنها حقائقُها التي تَلْفِتُ بهذه الوقائع والصفعاتِ نظرَ الشعب إلى رسائل النور فتُرغِّب الشعبَ فيها، وتَصفع معارضيها صفعاتِ رأفةٍ وشَفَقة.
وكما أن الصدقة تَدفع البلاء، فإن رسائل النور وسيلةٌ لدفع البلاء عن هذا البلد، وهذا أمرٌ ثابتٌ بشهادة حوادث كثيرة، وإن وقوع الحريق في نفس الوقت الذي تعرضتْ فيه رسائل النور للهجوم يُثبِت الأمر نفسَه.
٭٭٭