— 361 —
ذيل العريضة المقدَّمةِ إلى رئيس الجمهورية اضطُررتُ لكتابته
إن السبب الأساسيَّ لهجوم الحاقدين عليَّ هو موالاتُهم "مصطفى كمال" وتحزُّبهم له، فهذا هو سبب اضطهادهم لي وإنزالِهم العسفَ والأذى بي، وإني أقول لهم:
لقد سبق أن قلتُ: "إنه سيَظهر شخصٌ يحارب القرآن".. قلتُ هذا قبل ثلاثين سنةً بإخبارٍ من حديثٍ شريف، ثم أَظهر الزمانُ أن هذا الشخص هو "مصطفى كمال" الذي مات وانتهى أمرُه وانقطعت علاقتُه بالدنيا والسُّلطة.
ثم إن أنصار هذا الرجل الحاقدين ما زالوا يُؤذونني منذ عشرين سنةً متعلِّلين بشتى الذرائع، وليس وراء هذه الذرائع سوى أني والَيتُ الحقيقة فلم أنسُبْ إلى صاحبهم الأمجادَ والانتصاراتِ التي أحرزها جيشٌ بطلٌ تحدَّى العالَم ببسالته وولائه للحقِّ طَوالَ خمسمئة سنة.
نعم؛ إنها لقاعدةٌ من قواعد الحقيقةِ تقول: "إن الأمجاد والمَحاسن والمغانم الماديةَ والمعنويةَ إنما تُعزى إلى الجماعة وتُوزَّع على الجيش، أما المساوئ والمعايب والإجراءات الخاطئة فتُرَدُّ إلى الرئيس والقائد"، وإني بموجَب هذه القاعدة أقول: إن الأمجاد والانتصارات التي أحرزها الجيشُ بجنوده وضباطه الفعليين الأشاوس لا تُعزى إلى "مصطفى كمال"، وإنما تُعزى إليه وحدَه المعايب والأخطاء؛ وإذا كان هؤلاء المعاندون يَسوقون قولي هذا تهمةً أني لا أحب "مصطفى كمال"، فإني أتهمهم بأنهم لا يُحبون الجيش، وأنهم يهينون مجدَه وشرفَه، وأعدُّهم خونةً للشعب والأمة، وإني على استعدادٍ لإثبات هذا لهم كما سبق أن أثبتُّه في المحاكم.
إنني أحب هذا الجيش المِقدام الذي أنجبته هذه الأمة المباركة.. أحبُّه بملايين جنوده وضباطه، وأُكِنُّ له الاحترام، وأسعى للحفاظ على شرفه ومكانته ما استطعت؛ أما معارضيَّ الحاقدون فإنهم في سبيل محبةِ شخصٍ واحدٍ يهينون ملايين الأفراد معنًى، بل يعادونهم.
— 362 —
نعم، لقد علِمنا بأماراتٍ كثيرةٍ أن ما يُحرِّك هؤلاء ويدفعُهم لمهاجمتي ليس سوى معارضتي لی"مصطفى كمال" وعدم مودتي له، أما ما سوى ذلك من الأسباب فذرائعُ كاذبة، ولهذا أجدني مضطرًّا لأن أقول لهم:
لقد دعاني هذا الرجل إلى أنقرة ليكرِّمني ويُعيِّنني واعظًا عامًّا للولايات الشرقية، فذهبتُ، فوجدتُ ثلاثة أمورٍ یی أسردُها في المواد الثلاث التالية یی جعلتْني أتراجع عن مصادقته ومودته، وقاسَيتُ لأجل ذلك عشرين سنةً من الأذى في حياةِ انزواءٍ لم أخالط فيها دنياهم.
المادة الأولى: أنه أَظهر بأفعاله أنه هو الشخص الذي أخبر عنه حديثٌ شريفٌ بأنه سيحارب الأعراف الإسلامية في آخر الزمان؛ وكنتُ قد فَسَّرتُ هذا الحديث قبل ستٍّ وثلاثين سنة، فظهر معناه منطبِقًا على هذا الرجل، وهذا موضَّحٌ في "الأساس الثالث" من دفاعاتي لدى المحكمة.
المادة الثانية: تُقرِّر قاعدةٌ من قواعد الحقيقة أن وجودَ الشيء وإصلاحَه وحياتَه متوقفٌ على توفُّر جميع شرائطه وأركانه، وأن عدمَه وإفسادَه وموتَه يقع باختلالِ شرطٍ واحدٍ من شرائطه، وقد شاعتْ هذه القاعدةُ مثلًا على ألسنة العامة بقولهم: الإفسادُ أسهل من الإصلاح، والتخريبُ أسهل من التعمير.
وبناءً على هذه القاعدة القطعية، فإنه لما كانت هذه العيوب والتخريبات الظاهرة للعِيان ناجمةً عن خطأ ذلك القائد، وكانت الأمجاد والانتصارات نابعةً من بطولة الجيش، كان يَلزَمُ أن تُردَّ المساوئ إلى القائد، وتُعزى المحاسن إلى الجيش، لكنَّ ما حصل هو العكسُ تمامًا، إذْ بات خيرُ الجماعة يُحال على ذلك الفرد، وبات شرُّ هذا الفرد يُحال على الجماعة، وهذا ظلمٌ شنيعٌ بلا شك.
المادة الثالثة: إنَّ رَدَّ خيرِ الجماعة وانتصارِ الجيش إلى القائد هو بَخسٌ لحسناتٍ عظيمةٍ كثيرةٍ وتنزيلٌ لها إلى حسنةٍ واحدة، وإنَّ إحالةَ عيوبِ القائد إلى الجماعة هو تكثيرٌ لِعيبٍ واحدٍ ليصبح آلافَ الأخطاء.
— 363 —
فكما أن الكتيبة المؤلَّفة من ألفِ جنديٍّ إذا قَضَتْ على عدوٍّ غاشمٍ نال كلُّ فردٍ من أفرادها رتبةَ "الغازي"، فإنْ رُدَّ الإنجازُ إلى قائدها وحدَه نزلت المرتبةُ من ألفٍ إلى واحدٍ فلم يَنَل المرتبةَ أحدٌ سواه..
وكما أنه إنْ وقع قتلٌ ظلمًا بسبب خطأٍ من القائد، فَرُدَّ الأمر إلى الكتيبة دون القائد، أصبحت جريمةُ القتل هذه بمثابةِ ألفِ جريمةِ قتل، وأصبح ألفُ جنديٍّ مسؤولًا ومستحقًّا للعقاب..
فكذلك الأمر في هذه الأخطاءِ الجسيمةِ والمساوئِ العظيمةِ الظاهرةِ للعِيان، فإنها إنْ لم تُسنَد إلى ذلك الرجل الميت الذي ارتكبها، ونُسِبتْ إلى هذا الجيش ذي التاريخِ العريقِ المشرِّفِ الممتدِّ خمسَمئةِ عامٍ بل ألفَ عام، والذي أظهر خلالها للعالَم أجمع جهادَه وولاءَه للحق، ووقَّع بسيوفه ودمائه على ميثاق شرفه وحَمْلِه لواءَ القرآن، فعندئذٍ ستتضاعف هذه الأخطاء والمساوئ أضعافًا كثيرة، وستزداد بعددِ أركان هذا الجيش، وسيتلطخ تاريخُه الوضَّاءُ المشرق بسوادٍ مُشين، وسيَشعر رجالُه وأفرادُه اليوم بالمسؤولية والعار تجاه أسلافهم.
وكذلك إن نُسِبَتِ الأمجادُ والانتصاراتُ الحاليةُ إلى شخصٍ واحد، تضاءلتْ وانحسرتْ وتصاغرتْ، وآلتِ الحسناتُ والمراتبُ الجهاديةُ الكثيرةُ كثرةَ أركانِ الجيش وجنودِه إلى حسنةٍ واحدةٍ ومرتبةٍ واحدة، فخَفَتتْ وانطفأتْ فلم تَقْوَ على تكفير الذنوب.
فلأجل هذه الأسباب نبذتُ مودة هذا الرجل، وكَسِبتُ بدلًا منها مودةَ الجيش الذي التحقتُ بصفوفه في زمانٍ حرِجٍ فأدَّيتُ فيه خدمةً مؤثِّرة، وعَمِلتُ من خلال رسائل النور على الحفاظ على شرفه الذي هو أهمُّ من ذلك بآلاف الدرجات.
في أميرداغ
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 364 —
طَوالَ عشرين عامًّا لم تتعرض الشرطةُ في عدةِ ولاياتٍ لمسألة زِيِّي ولباسي، سوى أن "نَوْزاد بك" والي أنقرة أراد قبل خمسِ سنواتٍ تغييرَه بالقوة، فلم يفلح، وتلقى صفعةً على هذه الفَعلة بأنْ مات منتحرًا.
وذات مرةٍ أصدر أحدُ كبار موظَّفي ولاية "أفيون" أمرًا بالتعرُّض للباسي بالقوة، فعارضه موظَّفٌ صغيرٌ في القضاء باسم القانون، وقال له: لا يمكننا فعل شيءٍ خارجَ القانون.
وكان مديرُ البلدة هنا رجلًا منصِفًا لم يبادرني بظلمٍ لظنونٍ وهواجس مزعومة، فسعى القوم لاستبداله.
وبما أني أعاني من مرض الاستيحاش الذي يمنعني من الجماعة والجمعة، إضافةً لأمراضٍ ماديةٍ أخرى، فقد عملتُ بقانون الطبابة لأتجنب الإحالة على المحكمة للاستجواب، فحصلتُ على تقريرٍ طبيٍّ يُلزمني بالاستراحة مدة أسبوع، فقابلَني القوم بقوانينهم المزاجية المتعسفة، وبعثوا بطبيبين من "أفيون" فأبطلا التقرير الطبي وأحالا الطبيبَ الذي أصدرَه على المحكمة.
٭٭٭